الرئيسية | المقالات | عصر جورج حبش

عصر جورج حبش

طبع جورج حبش، أكثرَ بكثيرٍ من غيره، العصرَ السياسيَّ الذي عاش فيه. فطوالَ أزْيد من نصفِ قرن، طغى خطابُه ومنطقُه على أحزابٍ وتنظيماتٍ عربيّةٍ عديدة. الرجل الذي عاش النكبةَ بلحظاتها، وهُجِّر بأسنّةِ الحِرابِ مع

أسعد أبو خليل

عائلته من وطنه، لم يتوقّفْ لحظةً في حياته عن التفكير في وسائل متعدّدةٍ لتحرير فلسطين، ولم يتغيّرْ هدفُه على مرّ السنوات والعقود: تحرير فلسطين. وكان شعارُ الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين، التي أسّسها وترك كلَّ بصماته عليها، يرمز إلى هذا الهدف. وفي الوقت الذي كان فيه بعضُ قادة منظّمة التحرير الفلسطينيّة يتلاعبون بأهداف المنظّمة، ويحتالون على الشعب الفلسطينيّ عبر شعارات مثل “السلطة الوطنيّة الفلسطينيّة” و”الحلّ المرحليّ،” بقي حبش مصرًّا على تحرير “كلّ ميلمترٍ من فلسطين” كما كان يقول.

على أنّه ينبغي الاعترافُ بأنّ عنادَ الجبهة الشعبيّة وحزمَها خفّا مع نهاية “مرحلة بيروت” في تاريخ النضال الوطنيّ الفلسطينيّ (1982). ولم يكن ذلك بسبب تضاؤل عزمِه وحزمِه، بقدْرِ ما كان انعكاسًا لتغيّر المُناخ الشعبيّ المهمّ ولصعود ويلات الحقبة السعوديّة (التي أفضت إلى مرحلة مدريد وأوسلو). ولعلّ حبش أدرك، عندها، أنّ الثورة الفلسطينيّة لم تعد تعتمد، كما في الماضي، على الجماهير في لبنان، التي أسهم، منذ سنوات عمله في “حركة القوميّين العرب،” في تنظيمِها وتثويرِها؛ أو لعلّه أدرك أنّ عرفات كان أمهرَ منه في اللعب على الحبال وفي الديماغوجيّة (وهي ألاعيبُ لم يتقنْها حبش ولم يمارسْها يومًا). غير أنّ حبش بقي، حتى آخر عمره، متمسّكًا بإمكانيّة تحرير فلسطين عبر الكفاح المسلّح، وإنْ أقرّ في مجالسه الخاصّة بأنّ المرحلة لم تعد ملْكَ يديه وملْكَ اليسار الثوريّ الفلسطينيّ، وإنّما انتقلتْ إلى الإسلاميّين (الذين عوّل حبش عليهم لتحقيقِ ما عجزت الثورةُ العَلمانيّةُ عن تحقيقه).

لم يُكتب الكثيرُ عن جورج حبش. والعار أنّ الجيلَ العربيّ الجديد لا يَعرف الكثيرَ عنه. لكنّه أثّر، كما ذكرنا، من خلال حركة القوميّين العرب، ومن خلال الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين لاحقًا، في مختلف البلدان العربيّة. كان حبش حريصًا على تثوير الوضع العربي برمّته لأنّه كان مؤمنًا بشعار “هانوي العرب،” وبأنّ الطريق إلى تحرير فلسطين يمرّ في كلّ البلدان العربيّة. وقد أقامت “الحركة” فروعًا في مختلف الدول العربيّة؛ كما أنّ “الجبهة” فيما بعد أنشأتْ علاقاتٍ نضاليّةً مع منظّماتٍ يساريّةٍ في بلدان عربيّة وغير عربيّة، وأسهمتْ في نضالات شعوبٍ عربيّةٍ كثيرة ــــ من الصحراء الغربيّة إلى عُمان، مرورًا بأريتريا واليمن. غير أنّ الفراغَ البيبليوغرافيّ عن حبش يعود إلى انتصار مرحلة “الحقبة السعوديّة” التي فَرضتْ مصطلحاتِها وشعاراتِها على العالم العربيّ، حتى لم نعد نَعْدم أن نقرأ وصفًا لجورج حبش بالـ”إرهابيّ” في صحافة النفط والغاز. فالحال أنّ الدخولَ العربيّ في نفق مدريد ــــ أوسلو لم يكن من دون واجباتٍ وفروضٍ على الدول العربيّة؛ لقد كان عليها كلّها أن تقبل بالتطبيع مع العدوّ الصهيونيّ، وأن تنبذَ خطابَ تحرير فلسطين والكفاح المسلّح. ولذلك أصبح حبش، الذي كان لعقودٍ رمزَ الكفاح المسلّح، هدفًا لسهام الصهاينة العرب التطبيعيّين.

لم يكن مثالُ حبش شائعًا، ولا هو شائعٌ الآن. هو يرمز إلى نقيض صفات ياسر عرفات (وإنْ ساواه في الزهد ونبذِ الشهوات وفي تكريس حياته للقضيّة الفلسطينيّة ــــ كلٌّ من منظوره): فبقدْرِ ما كان عرفات زئبقيًّا، كان حبش نقيًّا؛ وبقدْرِ ما كان عرفات متلاعبًا، كان حبش صادقًا؛ وبقدْرِ ما كان عرفات يَنطق بلسانيْن، كان حبش ينطق بلسانٍ واحد؛ وبقدْرِ ما كان عرفات حريصًا على كسب ودّ الأنظمة الخليجيّة، عمل حبش على استعدائها. لكنّ منطقَ حبش لم يَسُدْ في قيادة منظّمة التحرير (التي انسحبت الجبهةُ الشعبيّةُ منها بين عاميْ ١٩٧٤ و١٩٧٧) لأنّ عرفات ــــ مستعينًا بالمال الخليجيّ ــــ فرض أجندةَ التسوية وإجهاضِ الثورة منذ أوائل السبعينيّات.

لقد أدرك حبش في سنواته الأخيرة أنّ الجبهة الشعبيّة ارتكبتْ أخطاءً في تاريخها، ومن الضروريّ أن نسجّل بعضَ تلك الأخطاء كي لا تتكرّرَ في تجربةٍ جديدةٍ من تاريخ النضال الفلسطينيّ. فحبش، الذي أفنى عمرَه في التفتيش عن وسائل لتحرير فلسطين، عقد سلسلةً من التحالفات مع عددٍ من الأنظمة العربيّة التي عادت القضيّةَ واستغلّتْها لمصالحها الذاتيّة. كما أنّ حركة القوميين العرب (بقيادته) تماهت مع القيادة الناصريّة، ولم تَحِدْ عنها بعد حلِّ “الحركة” إلّا متأسّفةً؛ بل إنّ “الحكيم” في سنواته الأخيرة لم يكن يستطيع أن يذْكر جمال عبد الناصر من دون أن يتأثّر بشدّة (أو يبكي)، لأنّه كان يقارنُه بزعماء اليوم. غير أنّ “الحركة،” في اعتمادها على نظام عبد الناصر، فقدتْ عنصرَ المبادرة والتقرير، وتحوّلتْ إلى ذراعٍ لهذا النظام.

بيْد أنّ أحلام حبش لم تتوقّفْ عن اجتراح وسائلَ ونظريّاتٍ جديدةٍ لمعالجة الخطر الصهيونيّ في المنطقة العربيّة. وهو، بالرغم من معارضته الشديدة للخطاب السياسيّ العربيّ منذ النكبة، ردّ على هزيمة 1967 عبر قيادة التحوّل النظريّ والتنظيميّ إلى الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين (وهذا ما يمكن أن يُعتبر تنازلًا عن الفكر القوميّ الذي مثّلتْه “الحركة”)، ثمّ عبر اعتناقه الفكرَ الماركسيَّ وتطبيقِه من خلال تصنيف الأعداء طبقيًّا، ومن ثمّ وضعِ بعض الأنظمة العربيّة في خانة أعداء الثورة الفلسطينيّة. لكنّ “الجبهة” وقعتْ في فخّ الماركسيّة السوفياتيّة عندما ميّزتْ بين الأنظمة “الرجعيّة” والأنظمة “التقدميّة،” علمًا أنّ جرائم بعض هذه الأنظمة الأخيرة ضدّ الثورة الفلسطينيّة لا تقلّ عن جرائم الأنظمة الرجعيّة.

وحاول حبش أن تَطْلع “الجبهةُ” بنموذجٍ جديدٍ لماركسيّةٍ محليّة، لكنّه بقي أقربَ إلى الفكر القوميّ. كما حاول أن يتملّصَ من السيطرة السوفياتيّة على الأحزاب الشيوعيّة العربيّة عبر إقامة علاقاتٍ مبكّرةٍ مع الصين وكوريا الشماليّة، غير أنّ هذه المحاولة لم تستمرّ، وسرعان ما وقعت “الجبهة” في الأسْر السوفياتيّ (كان موقفُ حبش من الاتحاد السوفياتي في البداية محكومًا برفضه لسياسات هذا الأخير التسوويّة تجاه القضيّة الفلسطينيّة). وأراد حبش الحفاظَ على “استقلاليّة القرار الفلسطينيّ” (لكنْ ليس على طريقة عرفات الذي لم يعنِ بهذا الشعار إلّا ربطَ المصلحة الفلسطينيّة بقرارت دول الخليج وحليفِها الأميركيّ)، بيْد أنّه لم يُوفَّقْ في مسعاه. كما تعرّض تنظيمُه لانشقاقاتٍ عدّة، بعضُها مرتبطٌ بمخابرات دولٍ عربيّة وأجنبيّة. ثمّ إنّ رفيقَ دربه، وديع حدّاد، سرعان ما غادر الجبهةَ الشعبيّة، ما أضعف قدرتَها على تحريك الوضع الإقليميّ، بل العالميّ أيضًا، وعرّضها لضغوطٍ قويّةٍ من أجل الانضواء تحت مظلّة التنظيمات الشيوعيّة المرتبطة بموسكو، وزاد من تبعيّتها لموسكو، بل لمواقف الاتحاد السوفياتيّ التنازليّة من الصراع العربيّ ــــ الإسرائيليّ. وتضخّمتْ بيروقراطيّةُ التنظيمات الفلسطينيّة (وكانت هذه عالةً أصابت التنظيماتِ جميعَها، كبيرَها وصغيرَها)، ما زاد من حاجتها إلى دفقٍ ماليٍّ خارجيّ، وأدّى إلى ربط الجبهة الشعبيّة بعدد من الأنظمة العربيّة، أبرزُها النظامُ العراقيّ، الذي لم تكن حساباتُه تجاه التنظيمات الفلسطينيّة نابعةً من مواقفَ ذاتِ علاقةٍ مباشرةٍ بالقضيّة الفلسطينيّة.

وبرز دورُ حبش في التجربة الرائدة لـ”جبهة الرفض” في العام ١٩٧٤، وارتبطتْ هذه “الجبهة” باسمه وبمواقفِه المبدئيّة من القضيّة الفلسطينيّة ومن رفضه للحلول الاستسلاميّة. وهذه التجربة أثبتتْ صوابيّتَها لأنّ شكوكَ حبش في القيادة العرفاتيّة كانت في محلّها، على ما برهنت السنواتُ والعقودُ اللاحقة. إلّا أنّ هذه التجربة باءت بالفشل لأنها أُلحقَتْ بالنظام العراقيّ وبحساباته الإقليميّة. وبعد حلّ “جبهة الرفض” في العام ١٩٧٧، أمل حبش في تعميم فكرة “رفض الحلول الاستسلاميّة” بعد زيارة أنور السادات إلى القدس المحتلّة؛ لكنّ العكس حصل: إذ تعمّمتْ فكرةُ الحلول الاستسلاميّة على غالبيّة الأنظمة العربيّة، ووجدتْ طريقَها إلى معظم التنظيمات الفلسطينيّة، وساد منطقُ عرفات، وقاد المنظمّةَ إلى أتون أوسلو الذي لا نزال نعانيه اليوم.

عاش حبش القضيّة الفلسطينيّة في كلّ يومٍ من حياته، وحاول دائمًا أن يُعبّئَ الشعبَ العربيّ وراء شعارات تحرير فلسطين والكفاح المسلّح. كان حبش ثوريًّا في زمنٍ نَبذت فيه الأنظمةُ العربيّةُ والاتحادُ السوفياتيّ الثورات (لم يجهض الاتحادُ السوفياتيّ طريقَ الثورة العربيّة لكنه ساهم في هذا الإجهاض لأنّ حساباتِه في “الوفاق الدوليّ” مع الحكومات الأميركيّة طغت على سياساته الخارجيّة). لم يكن حبش وحيدًا في التزامه بالقضيّة الفلسطينيّة، غير أنّه كان حريصًا على تحرير كامل فلسطين؛ وهذا الهدف لم يكن من أولويّات أيّ نظامٍ عربيّ (ربّما باستثناء الجزائر في مرحلة بومدين واليمن الجنوبيّ في مرحلته الماركسيّة). وصعودُ ياسر عرفات غيّر مسارَ منظّمة التحرير، وتحوّل الكفاحُ المسلّح لتحرير فلسطين إلى “كفاح ديبلوماسيّ” من أجل تحقيق “سلطةٍ وطنيّةٍ” على بعض أراضي الضفّة الغربيّة وقطاع غزّة. لكنّ مسيرة أوسلو أثبتتْ أنّ العدوّ لا يريد التخلّي ولو عن ٢٣٪ فقط من فلسطين التاريخيّة.

سيتذكّر التاريخُ العربيّ جورج حبش بقدْرِ ما يتحرّر العالمُ العربيّ من سطوة أنظمة النفط والغاز والتطبيع مع العدوّ. سيرةُ جورج حبش الحقيقيّة لم تُكتب بعد. صحيح أنّ فؤاد مطر جمع مجموعةَ مقابلاتٍ مع حبش في كتاب، لكنّ “الحكيم” لم يكن راضيًا عنها أبدًا. أمّا كتاب الصحافيّ الفرنسيّ، جورج مالبرونو، الثوريّون لا يموتون أبدًا، فلم يفِ بالغرض على الإطلاق، لكون هذا الصحافيّ لا يعرف إلّا القليلَ القليلَ عن التاريخ الفلسطينيّ وعن نضال حبش. غير أنّ فلسطين المُحرَّرة ستعيد اكتشافَ جورج حبش، وسيدرك الشعبُ الفلسطينيّ أنّ حبش ــــ لا قادةَ مسيرة أوسلو ــــ كان بالفعل رمزَ النضال التاريخيّ لشعب فلسطين ولثورته المسلّحة.

كاليفورنيا

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حلم أجدادي مرة بدعوة أحفادهم إلى منزل بنوه من لا شيء.

المنزل الذي كانوا سيملؤه بالحب، كانوا سيصنعون منه وطنا و ...