الرئيسية | الشتات الفلسطيني | في أتون الحرب الأهلية اللبنانية واجتياح 1978 (2)

في أتون الحرب الأهلية اللبنانية واجتياح 1978 (2)

شهادة
المحاور:

هنا الجزء الثاني والأخير من شهادة المناضل ماهر اليماني، الخاصّة بالحرب اللبنانيّة. ويمكن الاطّلاعُ على الجزء الأول هنا: https://goo.gl/LzcrGu

***

معركة الفنادق

في آذار سنة 1976 شاركنا في “معركة الفنادق،” بعد الدخول الثاني للقوّات المشتركة، اللبنانيّة ــــ الفلسطينيّة، إلى فندقيْ هوليداي إنْ وفينيسيا (كانت القوّاتُ المشتركة قد طهّرت الفندقيْن، ولكنّ القوات الانعزاليّة أعادت احتلالَهما بعد انسحابنا). وصلتُ مع فصيليْن مجهَّزيْن بأسلحةٍ فرديّةٍ إلى المنطقة. كانت الجبهة الشعبيّة ــــ القيادة العامّة [بزعامة أحمد جبريل]، و”المرابطون” [بزعامة إبراهيم قليلات]، قد استوليا على فندق هوليداي إنْ، وكانت الجبهة الشعبيّة ومجموعةٌ من حزب العمل الاشتراكيّ العربيّ قد دخلا إلى فندق فينيسيا. عمل الرفاق على تمشيط الفندقيْن. كُلّفتُ بالتقدّم في اتجاه “المنطقة الرابعة” (منطقة ستاركو). ثمّ تقدّمنا على خطّ النورماندي، حيث خضنا أشرسَ المعارك، وسقط للطرف الانعزاليّ العشرات.

كان نهارًا جنونيًّا من التمشيط والقتال، من مكانٍ إلى آخر، وضمن مسافاتٍ تقارب الصفرَ أحيانًا. أذكرُ بهوَ فندق النورماندي: فقد دخل أحمد أبو شقرا [استُشهد عام 1978 بعد إصابته على محور الطيّونة] ومجموعتُه بسرعةٍ إلى البهو، وكنتُ خلفه تمامًا، فاكتشفنا أنّنا وجهًا لوجه مع مقاتلي حزب الكتائب ــــ المنطقة الرابعة. فدار اشتباكٌ مذهلٌ قائمٌ على المفاجأة. ولكَ أنْ تتخيّل أكثرَ من اثنتيْن وعشرين بندقيّةً ترمي النارَ داخل مكانٍ مغلق!

انتهت اللحظةُ الناريّة بسقوط المدافعين الكتائبيّين قتلى، فتركناهم بعد الاستيلاء على المكان، وتابعنا القتالَ باتّجاه فندق هيلتون المقابل، فتأكّدنا من خلوّه من الانعزاليين، وذلك بأربعة عناصر فقط: أبو أحمد فؤاد (المسؤول العسكريّ للجبهة الشعبية)، أرافقُه أنا، وأحمد جبريل (الأمين العامّ للجبهة الشعبيّة ــــ القيادة العامّة)، يرافقه عاملُ اللاسلكيّ.

بعد احتلال النورماندي تقدّمنا باتّجاه باب ادريس بهدف السيطرة للوصول إلى الميناء. كانت المنطقة تعجّ بالمقاتلين الكتائبيّين وبالمراكز القتاليّة. أُصيبَ رفيقٌ في بطنه، ولم نستطعْ إخراجه، فاستعنّا بمصفَّحةِ “بانهارت” كان يملكها جيشُ لبنان العربيّ [المنشقّ عن الجيش اللبنانيّ]. دخل الرفيق أحمد أمين (قائدُ القطاع الأوسط في الجنوب)، يرافقه مقاتلٌ، تحتَ ضربات مدفعيّة الدبّابة، فلم يستطيعا إخراجَه. أصيبَ أيضًا أحمد أمين، لكنْ تمّ إنقاذُه على يد مقاتلٍ يدعى أبو محمود الحَنُون. ثمّ واصلنا التقدّمَ حتى وصلنا قرب المرفأ في بناية سكّة الحديد.

أذكر أنّ مراقبين سوريّين كانوا موجودين على خطوط التماس.

في السجون السوريّة

في الأوّل من أيّار سنة 1976، توجّهتُ إلى طرابلس لأُطلَّ على والدتي المريضة. كنّا نستعمل طريقَ البقاع، نظرًا إلى انقطاع الطريق الساحليّ أمامنا. عند مفرق دير زنّون، فوجئنا بحاجزٍ للقوّات السوريّة التي دخلتْ من منطقة المصنع [عند الحدود مع لبنان]، قبل إعلان دخول قوّاتهم إلى لبنان [رسميًّا]. كنتُ في سيّارةٍ تابعةٍ للجبهة الشعبيّة، عليها شارةُ حركة فتح. وكنّا نفعل ذلك تحسّبًا لمثل هذه المفاجأة: فنحن كنّا ضدّ “المبادرة السوريّة” في لبنان، في حين لم يكن لقيادة حركة فتح (أوّلَ الأمر) اعتراضٌ عليها. أوقفَنا الحاجز. كنّا أربعةً في السيّارة: اثنين من الجبهة، ومدنيًّا، وأنا. عنصرا الجبهة يحملان بطاقتيْن من فتح. أعطيتُ الجنودَ السوريّين بطاقتي العسكريّة (الجبهة الشعبيّة)، فأوقفوني. أخبرتُهم أنّني ركبتُ السيّارةَ من شتورا، وأنّ الشباب من حركة فتح. سألوني عن منشوراتٍ جبهويّة، وعن أعداد من مجلة الهدف كانت موجودةً في السيّارة، فقلتُ إنّها لي. أخذوني أنا والأغراض، وتركوا الباقين.

نُقلتُ إلى “نقطة المصنع” الحدوديّة، حيث كان للجيش السوريّ مركزٌ كبير. حضر ضابطٌ من فتح، استدعاه السوريّون، وطلب أسماءَ “الفتحاويّين” الذين كانوا معي في السيّارة. أنكرتُ معرفتي بهم، وجدّدتُ الزعمَ أنّني ركبتُ السيّارةَ من شتورا بلا سابق معرفةٍ بهم. تابع الضابطُ الفتحاويّ استجوابي، فصفعني ورفع صوتَه في وجهي. لم أستغربْ أنّ السوريّين لم يضربوني، ولا أنّ الفتحاويَّ فعل ذلك؛ فقد كانت الأمورُ واضحةً في ذهني حيال موقف بعض مسؤولي حركة فتح، واستعدادهم لفعل أيّ شيء لإثبات الولاء لصاحب السلطة.

بعد ساعتين نقلتني سيّارة “زيل” مدجّجةٌ بالسلاح، تُرافقها سيّارتا لاندروفر سوريّتان، إلى مبنى الأركان (قرب مكتبة الأسد اليوم). هناك قابلني اللواء علي دوبا، رئيسُ جهاز المخابرات السوريّة. سألني عن المنشورات التي صودرتْ معي، وعن ورود تعابير فيها مثل “النظام السوريّ العميل” و”المبادرة السوريّة مدخلٌ إلى الحلول الاستسلاميّة…”  فقلت:

ــــ أنتم تقولون عن جورج حبش إنّه مخابرات بريطانيّة! ما قرأتَه هو مواقفُ الجبهة من مبادرتكم، وهي معلنة.

بعد شرحٍ قصيرٍ منه، أخبرني أنّني سأبقى لـ”ثلاثة أيّام في الضيافة.” استلمني ضابطٌ اسمُه عمر، نائبُ مسؤول الفرع الذي أُرسلت إليه، وهو الفرع 235، التابعُ لفرع فلسطين ــــ الضابطة الفدائيّة، في منطقة الروضة في دمشق. ثمّ نُقلتُ عدّة مرّات، إلى أن حللتُ في سجن التحقيق العسكريّ، خلف الجمارك، حتّى أُفرج عنّي بعد خمسة عشر شهرًا.

“الأيّام الثلاثة” التي تحدّث عنها دوبا كان كلٌّ منها… بخمسة شهور!

الإفراج

بفضل اتّفاقٍ عقده السوريون مع أبي عمّار أُفرج عن كافّة المقاتلين الفلسطينيّين في السجون السوريّة، وكان اسمي واردًا في لوائح المفرَج عنهم. لكنّ مديرَ السجن، ولسببٍ مجهول، شطب اسمي من اللوائح، وأبدله باسم أحمد أبو شقرا (أبو الرائد) من الجبهة الشعبيّة، فأُفرج عنه، وبقيتُ في السجن.

بعد أسبوع، اقتادني الحارسُ خارج الزنزانة، فوجدتُ مجموعةً من الضبّاط السوريّين، ومعهم محقِّقُ الفرع، الذي أخبرني أنّ أمرًا من سيادة الفريق حافظ الأسد شخصيًّا يطالب بإطلاق سراحك وتسليمِك إلى أبي عمّار شخصيًّا. اصطحبوني إلى مكتبٍ في الطابق الأرضيّ، فشهدتُ الشمسَ للمرّة الأولى منذ شهور. أعطوني كوبًا من عصير البرتقال، ثمّ نقلوني في موكبٍ من أربع سيّارات مرسيدس 500 فخمة إلى شتورا، إلى حيث مكتب محمد غانم، قائدِ القوّات السوريّة في لبنان. أجلسوني إلى طاولة الغداء معه. لم أعرفْ كيف آكل من شدّة التوتّر. أدرك غانم توتّري، فعرض عليّ كوبًا من العرق، فرفضتُ. كنتُ أظنّ العمليّةَ مبادلةً مع القوّات السوريّة، وكنتُ طوال الطريق إلى شتورا أخطِّط للهرب من الموكب خوفًا من فشل هذه المبادلة؛ وها أنا الآن على المائدة مع رجل سوريا القويّ في لبنان، ومع أكثر من عشرة من كبّار الضبّاط، وهم يَعرضون عليّ العرق!

أُفرج عنّي، ونقلتني السيّاراتُ ذاتها إلى موقع المخابرات السوريّة في بئر حسن. ثمّ وصل موكبٌ من منظمة الصاعقة، وذهب بي إلى شارع عفيف الطيبي في الطريق الجديدة، حيث كان هناك اجتماعٌ لقيادة منظّمة التحرير، فيه أبو عمّار وأبو ماهر وطلعت يعقوب وغيرهم. سلّم عليّ أبو عمّار وقبّلني. فبادرتُه:

ــــ يا أخ أبو عمّار، بعد فيه شي 400 واحد من فتح وجبهة التحرير العربيّة ولبنانيّين مؤيّدين للثورة في المعتقل. لازمْ تطلّعوهم.

ــــ إنْ شاء الله. سنعمل على ذلك.

خرجتُ من الاجتماع، في ذلك اليوم التمّوزيّ الحارّ من سنة 1977. اصطحبني أخي أبو ماهر إلى منزله في برج البراجنة، ثم عدتُ في اليوم التالي إلى مخيّم شاتيلا، حيث أمضيتُ فترةَ استراحة، منها عشرةُ أيّام في المستشفى، حيث أجريتُ فحوصًا طبّيّةً. دخلتُ أوّلًا إلى مستشفى المقاصد الخيريّة، على نفقة الجبهة. وهناك، زارني حسين القلا، وهو صديقٌ وعضوٌ سابق في المكتب السياسيّ للجبهة الشعبيّة، فلم تعجبْه الحال في “المقاصد،” فنقلني إلى مستشفى إسكندر خوري على نفقته.

العودة إلى الجنوب: اجتياح العام 1978

عدتُ إلى مواقعنا في الجنوب اللبنانيّ، وإلى عملنا الروتينيّ: استطلاع، دوريّات، عمليّات حدوديّة، على الرغم من قرار القيادة المتنفّذة للعمليّات المشتركة [اللبنانيّة ــــ الفلسطينيّة] بمنع العمليّات عبر الحدود. لم تكن الجبهة الشعبيّة ممثّلةً في هذه القيادة المتنفّذة، التي تبعتْ حركةَ فتح. ولذلك أعطتنا الجبهةُ الضوءَ الأخضر للاستمرار في العمل العسكريّ ضدّ العدوّ الإسرائيليّ.

أمضيتُ الوقتَ الفاصل بين تمّوز 1977 وآذار 1978 هناك، باستثناء شهر سافرتُ فيه إلى تشيكوسلوفاكيا للعلاج من آلام الظهر نتيجةً للاعتقال في السجون السوريّة.

بعد عمليّة تحرير مارون الراس، وضعْنا في الجبهة الشعبيّة خطّةً دفاعيّةً تقضي بعدم الانسحاب في مواجهة أيّ اجتياحٍ إسرائيليّ، بل بالتموضع في مجموعات صغيرة (ثلاثة مقاتلين أو أربعة) تُشكِّل كلٌّ منها وحدةً تَشمل مضادًّا للدروع ورشّاشات. كما وزّعنا مخازنَ سلاحٍ احتياطيّةً، صغيرةً، على العديد من المواقع، وتيقّنّا من أنّ كلّ مجموعة تعرف مكانَ تلك المخازن.

كانت فكرتُنا هي الاستعداد لحرب عصاباتٍ طويلةِ الأمد، خلف خطوط العدوّ، تقوم بها مجموعاتٌ صغيرةٌ تتمتّع بالاستقلاليّة والتموّن الذاتيّ، وتحمل قرارًا واضحًا: القتال حيث أمكن ذلك. مع المجموعات مواقعُ نقاط “ازدلاف” (مواقع لقاء مع مجموعات أخرى، للتشاور والتخطيط والدعم). كما زوّدْناها بأجهزة اتّصال. وكانت المجموعات على مستوًى عالٍ من التدريب والتأهيل.

كان في حساب قيادة الجبهة أنّ اجتياحًا وشيكًا سيقع، فطلبتْ منّا تجهيزَ خطّة دفاعيّة في حال حصوله، على أن تقوم الخطّةُ على قاعدة الاشتباك من داخل خطوط تقدّم العدو وإيقاع الخسائر فيه. كانت مواقعُ الجبهة الشعبيّة ممتدّةً بين مارون الراس وبنت جبيل وعيناتا ومثلّث كونين، وكنتُ المسؤولَ المباشر يومها، نظرًا إلى غياب قائد القطاع، أحمد أمين، في مهمّةٍ مع جبهة البوليساريو في الصحراء، جنوبَ المغرب.

نهارَ الاثنين، 13 آذار 1978، زارني رفيقان من بيروت، فأمضينا النهارَ في مارون الراس، نُطلّ على فلسطين، التي لا تبعد عنّا إلّا مسيرةَ النزول عن التلّة! بعد الظهر، صحبتُهما إلى صور ليعودا إلى بيروت. مررتُ على محمود أبو هنطش، مسؤولِ غرفة عمليّات الجنوب للجبهة الشعبيّة، في منطقة المعشوق في صور، فتباحثنا في الخطّة الدفاعيّة، واطمأنّ إلى استيعاب المقاتلين التكتيكَ العسكريَّ المعدّ في حال الاجتياح؛ كما كانت لديّ أسئلة عن جهوزيّة الميليشيا وقدرتِها على الحركة والاشتباك. ثمّ توجّهتُ إلى قيادة القطاع الأوسط للجبهة في بلدة البرج الشماليّ، وأمضيتُ الليل في البازوريّة. في الصباح، وصل رفيق من قيادة القطاع، وأخبرني أنّ الإسرائيليّين يقصفون مارون الراس، فانطلقنا فورًا باتّجاه بنت جبيل.

وصلنا حوالي التاسعة والنصف مثلّثَ كونين، فوجدتُ قائدَ كتيبة الجرمق الطلّابيّة (التابعة لحركة فتح)، معين الطاهر، وأخبرني أنّ العدوّ احتلّ مارون الراس. سألني عن خطّتنا، فأخبرتُه بقرار الصمود والقتال من خلف خطوط العدوّ. أمّا هو فأبلغني أنّهم سينسحبون إلى شمال نهر الليطاني، وأبرزَ لي برقيّةً من قيادته، وجّهها مسؤولُ عمليّات الجنوب في فتح، الحاجّ إسماعيل، تفيد بأمر الانسحاب. ونقل إليّ أنّ معلومات فتح تفيد بأنّ الإسرائيليّين سيتقدّمون إلى النبطيّة، ومن هناك إلى الشهابيّة في القطاع الأوسط، لذا فإنّ أمرَ الانسحاب هو “استعدادٌ للقتال” على طريق الشهابيّة، حيث “القدرةُ على الصمود والدفاع أقوى!” ثمّ سألني عن موقفنا.

ــــ لن ننسحب، وسنقاتل بحسب خطّتنا.

قال معين الطاهر:

ــــ أنتَ تعرف أين مستودعاتُنا في المنطقة هنا. هذه المستودعات هي في تصرّفك!

تركتُه وتقدّمْنا في اتّجاه عيناتا. التقيتُ بزياد حسني، وهو آمرُ فصيلٍ من الجبهة الشعبيّة، فأخبرني بأنّ فصيلَه انسحب من مارون الراس عند السابعة والربع:

ــــ بدأ الهجوم عند الثانية عشرة ليلًا. كنّا آخرَ المنسحبين من مارون الراس.

كان زياد يحمل ثلاثة رشّاشات. سألتُه عنها، فقال: “وجدتُها على الطريق!”

ــــ خذ الذخيرة وأبقِ سلاحك وحده، والتحقْ بموقعك بحسب الخطّة، قلتُ.

أخبرني أنّ تلّة شلعبون قد تعرّضتْ لقصفٍ شديد، وأنّ المعلومات تتحدّث عن سقوط سبعة عشر شهيدًا من الحزب الشيوعيّ ومنظّمة العمل الشيوعيّ. افترقنا وتابعتُ طريقي إلى عيناتا، فوجدتُ آمرَ الفصيل فؤاد عبد العزيز (من الجبهة) مصابًا في ساقه. رفض فؤاد الانسحابَ، على الرغم من أنّه عاجزٌ عن التحرّك. لكنّني أصررتُ على أن يذهب إلى قيادة القطاع في البرج الشماليّ، ويتابع العملَ من هناك.

في عيناتا باشرتُ العمل. فأرسلتُ مجموعة “فدائيي خلْق” (فدائيّي الشعب) إلى صور، خوفًا من وقوعهم في يد الإسرائيليّين. ثمّ عملتُ على أن تتوجّه المجموعاتُ إلى أماكنها بحسب الخطّة، وحدّدنا نقاطَ ازدلاف جديدةً. حاولنا البحثَ عن رفيقٍ كويتيّ مفقود، لكنّه كان على الأغلب قد استُشهد في مارون الراس. اجتمعتُ بآمري المجموعات، وحاولنا تقديرَ نقاط تقدّم العدو لتجهيز الكمائن على عُقَد المواصلات الإجباريّة. ثمّ توجّهنا على رأس المجموعات إلى منطقة وادي عاشور، حيث نستطيع من هناك الوصولَ إلى تقاطعات الطرق في صدّيقين وجويّا وشمالي كفرا.

لم يكن العدوّ قد تقدّم حينها، فلم يحصل الاشتباك. في اليوم الثاني وصلنا إلى البازوريّة، بناءً على توجيهاتٍ من القيادة طلبتْ إلينا أن نتوجّهَ إلى صور. حتّى المجموعات التي كان يُفترض أن تبقى انسحبتْ بناءً على أمر القيادة ذاك!

تمترسنا في البساتين بين البازوريّة والبرج الشماليّ. هناك، تقدّمت الدبّاباتُ الإسرائيليّة باتّجاه عيتيت. توجّهتُ مع رفيقيْن لننسف الطريقَ الإجباريّ بين البازوريّة ووادي جيلو، لكنّنا تأخّرنا، إذ دخلت الدبّابات قريةَ البازوريّة، وفصل بيننا وبين العدوّ مائةٌ وخمسون مترًا. عدنا أدراجَنا، واتّخذنا مواقعَ دفاعيّةً حول صور.

كان قرار الجبهة واضحًا في القتال. وشاركتْها فيه فصائلُ أخرى، كالجبهة الشعبيّة ــــ القيادة العامّة، التي قدِمتْ مجموعاتُها من بيروت، وشاركتْ في التصدّي للغزاة في صدّيقين وفي رأس العين مع الجبهة الشعبيّة في صور.

تقدّمت القواتُ الاسرائيليّة من برج رحّال باتّجاه مخيّم القاسميّة، حيثُ تصدّت لها هناك مجموعةٌ من الرفاق كان يرأسها آمرُ الفصيل محمود ياسين، الذي استُشهدَ بعد إصابته في المعركة. وقد نقلته الرفيقة “هند” على كتفيْها إلى منطقةٍ آمنة، بعد أن تدمّرتْ آليتان للعدوّ وسقط عددٌ من قتلاهم.

كانت هناك مجموعتان من الجبهة الشعبية وأخرى من القيادة العامّة. حاولتْ قوّة إسرائيليّة التقدّمَ نحوهما، فدارت معركةٌ تدمّرت فيها آليتان للعدوّ، كما أصيب عدد من الرفاق بعد قصفهم إثر محاولتهم أسرَ جنديٍّ مصاب، ورفضوا أن ينسحبوا إلى صيدا، محتجّين بأنّ إصاباتِهم لا تمنعهم من القتال. لكنّي أصررتُ على توجّههم إلى المستشفيات في صيدا (وما لبثوا أن عادوا وحدهم ليلًا للاستمرار في القتال). كما رفض الأمرَ ذاتَه فؤاد عبد العزيز، على الرغم من عجزه عن الحركة.

في صور تشكّلتْ غرفةُ عمليّات لكلّ قوّات الثورة الفلسطينيّة، شارك فيها من حركة فتح: عزمي الصغير والشهيد عبد الله صيام. وحضر من بيروت العقيد حسن أبو لبدة، ومن الجبهة الشعبيّة كان قد حضر أبو أحمد فؤاد ومعه محمود أبو هنطش منذ بدء المعارك.

في اليوم الثالث بدأتْ حركةُ فتح بسحب قوّاتها جزئيًّا من منطقة صور إلى شمال نهر الليطاني، علمًا أنّ قرارًا من القيادة المشتركة في صور لم يكن قد صدر بالانسحاب. استمرّت المعاركُ شرسةً حتّى اليوم الخامس، من غير أن يستطيع الإسرائيليّون أن ينجزوا تقدّمًا ملحوظًا على أيٍّ من جبهات صور. وفي مساء اليوم السادس، عند الثامنة تمامًا، حضر أبو أحمد فؤاد ومحمود هنطش إلى مقرّ العمليّات في مخيّم البص، وأبلغانا بقرار القيادة المشتركة الانسحابَ من صور. اجتمعتُ بهما، في حضور أحمد أمين، الذي كان قد وصل من الصحراء الغربيّة. وبعد نقاش حادّ، واستشارة آمري المجموعات المقاتلة من الجبهة، أعادت الجبهةُ اتّخاذَ قرار الصمود والمواجهة، والاستعداد لذلك أيًّا كانت التكلفةُ الباهظة المرتقبة، واستُبعِد قرارُ الانسحاب تمامًا. وهذا القرار صدر بموافقة تامّة من أبي أحمد ومحمود هنطش، على الرغم من تعارضه مع ما جاءا لإبلاغنا به.

كانت معنويّاتُ المقاتلين في السماء، خصوصًا بعد قرار أبي أحمد فؤاد ومحمود هنطش. وكانوا يتوافدون علينا من شباب “الخدمة الثوريّة،” وبعض الذين بقوا أفرادًا من تنظيمات الحركة الوطنيّة اللبنانيّة والفصائل الفلسطينيّة، من لبنان ومن خارجه. الكلّ يمتشق السلاحَ وينضمّ إلى المجموعات، ومستعدٌّ للقتال، ولا توجد في قاموسه كلمة “انسحاب.”

عند التاسعة والنصف، حضر الملازم فوّاز من جيش التحرير الفلسطينيّ، وكنتُ أعرفه مقاتلًا لا يهاب. أبلغَنا أنّ قرارًا ثالثًا بالانسحاب وصله، وأنّه كان قد “طنّش” القراريْن السابقيْن، لكنّه لم يعد قادرًا على ذلك. ودلّنا على موقع بطاريّة مدفعيّة 85 مليمترًا تابعةٍ له، جاهزةٍ مع ذخيرتها، وطلب منّا استخدامَها. ثمّ ودّعَنا وفي عينيه نظرةُ تحسّر.

أمضينا الوقت في عملٍ محموم: نعيد توزيعَ المجموعات، ونرفدها بمقاتلي بيروت الذين قدِموا، ونضع الخططَ والكمائن، ونوزّع الذخيرة، استعدادًا لقتالٍ طويل. إلّا أنّ الإسرائيليّين أعلنوا، عند منتصف الليل، قرارَهم بوقف النار، وساد الهدوءُ كلّ الجبهات. بقينا على استنفارنا، ومرّ الوقتُ بطيئًا حتّى بزوغ الفجر.

عند الصباح الباكر، أرسلتُ مجموعةً لتقيم حاجزًا عند مدخل صور الشماليّ، عند دوّار البص، وطلبتُ إلى شباب الحاجز أن يمنعوا دخولَ أيّ قوّة من التنظيمات، يرافقها صحفيّون. وكان ذلك ردَّ فعلٍ منّي على قرار هذه التنظيمات الانسحابَ، وكي لا ينتهي الأمرُ بتصويرهم بعد انتهاء الحرب وكأنّهم “مقاتلون صامدون!” كان قراري انفعاليًّا، لكنّه لم يكن بعيدًا عن الصحّة؛ إذ أوقفْنا مجموعاتٍ من فصائل (أتحفّظُ عن ذكر أسمائها) مع صحفيّين لبنانيّين وعرب وسوفييت. وكانت نيّتُهم أن يتصوّروا رموزًا للصمود… ببذلاتهم النظيفة!

في الوقت ذاته انهمكنا في تنظيم القوّات التي على تماسٍ مع الإسرائيليّين، وفي نصب الكمائن استعدادًا لأيّ حركةٍ غير محسوبة. لكنّ الأمور كانت قد انتهت عند هذا الحدّ، وساد الهدوءُ التامّ. ورويدًا رويدًا عادت الحركة الطبيعيّة إلى صور، واستمرّت الأمورُ على غليانها في مجريات الحرب اللبنانيّة التي كانت قد بدأتْ تتغيّر أطرافُها وتمركزاتها. وذلك حديث آخر.

أمّا نحن فعدنا إلى نشاطنا القتاليّ الذي كان قبل الاجتياح، لكنْ بنقاط تمركزٍ جديدة، وأضفنا جماعةَ [العميل] سعد حدّاد إلى بنك أهدافنا. نعم، لم يستطع الاجتياحُ أن يبدّل في عزيمة القتال شيئًا، كما لم يغيّر من موقف الجبهة الشعبيّة قيد أنملة. على العكس، كان الصمود والقتال في صور، والالتحامُ مع الجماهير، دافعًا للجبهة كي تصير أكثرَ تشبّثًا بمفاهيم الفعل العسكريّ الجماهيريّ، والنضال المسلّح لتحقيق الأهداف في التحرير.

في دروس الحرب الأهليّة اللبنانيّة

كان انخراطُنا، كقوًى فلسطينيّة، وكجبهة شعبيّة، في الحرب الأهليّة اللبنانيّة، أمرًا لا فكاكَ منه. فجزءٌ أساسٌ من اندلاع هذه الحرب كان لضرب قوى الثورة الفلسطينيّة واستنزافِها، أو على الأقلّ لإلهائها عن العدوّ الإسرائيليّ الأساس. وإذا كانت العِبرُ من هذه الحرب موضوعَ مؤلَّفاتٍ عديدةٍ لم يُكتبْ معظمُها بعد، فإنّني سأتوقّف عند الأمور المرتبطة بالجبهة الشعبيّة وانخراطها في هذه الحرب الأهليّة.

1) فدخولُنا الحربَ أظهر لنا ضعفَ البنية العسكريّة للجبهة على مستوى العديد، والتدريب، والتسليح، والتجهيز، والكوادر. وهو أمر استدركتْه الجبهةُ لاحقًا: فتحسّن مستوى التسليح، وزادت الدوراتُ العسكريّةُ التي شارك فيها قادةٌ وكوادرُ ومقاتلين من الجبهة في الاتّحاد السوفييتيّ وكوبا وليبيا وألمانيا الشرقيّة وغيرها من الدول الحليفة يومها. إلى أن انتهى بنا الأمر إلى إنشاء كلّيّة عسكريّة خاصّةٍ بنا، بعد توفّر الكادر المناسب للقيام بهذه المهمّة.

2) لكنّ هذا الأمر استنزف كوادرَ الجبهة في العمل العسكريّ على حساب المستوى التثقيفيّ والعمل الجماهيريّ، وذلك على أساس أنْ “لا صوتَ يعلو فوق صوت المعركة.” وصار الفعلُ العسكريّ هو الرابطَ الأساسَ مع الجماهير، على حساب مواقف فكريّة وجماهيريّة ونقابيّة كان في مقدور الجبهة أن تشكّل من خلالها ثقلًا نوعيًّا في تشكيل المزاج العامّ للجماهير ولتوجّهاتها، عوضًا من تركها وليمةً سهلةً لأرباب التمويل والتوظيف والفساد، الذي لا رادع له بوجود الفوضى والمال.

3) أدّى الانخراطُ في الحرب في وجه قوى اليمين اللبنانيّ إلى إبعاد التناقض الداخليّ مع اليمين الفلسطينيّ عن دائرة الاهتمام، بل أدّى إلى الاتّساق والتحالف معه، بفعل ضغط ظروف الحرب على جبهتين، والحاجة إلى التضامن، وأحيانًا إلى التمويل والتسليح، وإلى بناء علاقات مع هذا اليمين من أجل تأمين تسهيلات لأعضاء الجبهة وجماهيرها.

وهذا الأمر امتدّ خارج الساحة الفلسطينيّة، إذ لم تقْدر الجبهة، بفعل ضغط الحرب ومتطلِّباتها، على أن تشكّل رادعًا لتدخّل اليمين الفلسطينيّ في تشكيل قرار الحركة الوطنيّة اللبنانيّة (اليساريّة بمعظمها)؛ ما ترك هذه الحركة رهينةً في يد التمويل اليمينيّ الفلسطينيّ الذي اشترى ذممًا، وضمائرَ، ونفوسًا ضعافًا. وحين عجز عن ذلك، فرّخ ــــ بفعل قدرته الماليّة والعسكريّة الهائلة ــــ عشراتِ القوى اللبنانيّة التي ساهمتْ في تدمير استقلاليّة الحركة الوطنيّة اللبنانيّة. وهذا الأمر، على ما أعتقد، دفعنا ثمنَه غاليًا في مآل الاجتياح الإسرائيليّ الثاني سنة 1982.

بيروت

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مكتب شؤون اللاجئين في «حماس» يستعد لعقد ندوته السنوية حول أزمة الأونروا وانعكاسها على واقع اللاجئين الفلسطينيين في لبنان

  السبت، 01 كانون الأول، 2018 ...