الرئيسية | المقالات | الأسباب العلنية والخفيّة لفوز بوتين

الأسباب العلنية والخفيّة لفوز بوتين

Mar 22, 2018

إعادة انتخاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لولاية رابعة هي تفويض له بالسياسات التي ينتهجها، ثم أن نسبة الفوز التي حصل عليها تنوف عن 70% وهي نسبة كبيرة، الأمر الذي يدلل على أنه

دكتور فايز رشيد

دكتور فايز رشيد

يتمتع بتأييد كبير بين أوساط الشعب في الفيدرالية الروسية. كما أظهرت النتائج تأييد المواطنين لسياسة إعادة روسيا إلى واجهة الساحة الدولية. هذا في الوقت يخوض فيه بوتين اختبار قوة مع الغرب منذ تسميم العميل الروسي المزدوج السابق سيرغي سكريبال في المملكة المتحدة. وبذلك سيبقى بوتين سيد الكرملين حتى 2024 حينها سيبلغ من العمر 72 عاما وسيكون قد أمضى 25 عاما منها في السلطة بعد تعيينه خلفا للرئيس السابق بوريس يلتسين. نعم تغلب بوتين على منافسه الأبرز مرشح الحزب الشيوعي المليونير بافيل غرودينين الذي حصد 11،2 في المئة من الأصوات وحل أمام القومي المتشدد فلاديمير جيرينوفسكي (6،7 في المئة) والصحافية الليبرالية كسينيا سوبتشاك (2،5 في المئة). من ناحيتها، وكالعادة، اتهمت المعارضة الروسية وعلى رأسها اليكسي نافالني، أبرز المعارضين الروس، الكرملين بتضخيم المشاركة في عمليات تزوير عبر حشو الصناديق أو عبر تنظيم نقل الناخبين بأعداد كبيرة إلى مراكز الاقتراع .وقال نافالي في مؤتمر صحافي «إنهم بحاجة إلى إقبال. النتيجة معروفة سلفا وهي فوز بوتين بأكثر من 70 في المئة (من الأصوات)»، مؤكدا أن نسبة المشاركة الحقيقية أدنى من تلك المسجلة في انتخابات 2012. وشدد نافالني على أن «السبيل الوحيد للنضال السياسي في روسيا هو بالتظاهر، سنستمر في القيام بذلك». بوتين هو الذي أعاد الاستقرار إلى روسيا بعد سنوات من التسيب والانهيار السياسي والاقتصادي في عهد الرئيس السكّير يلتسين، حيث تراجعت روسيا في تلك المرحلة إلى مستوى دولة عالمثالثية. كان العالم يقرأ حينها عن أبطال الحرب العالمية الثانية من الروس، الذين عرضوا نياشينهم وأوسمتهم للبيع في محطات المترو، الممتلئة بالمشردين، والشحاذين. حينها تسولت روسيا حتى القمح من الولايات المتحدة والدول الغربية.
ما كان يجري في عهد يلتسين يخالف طبيعة الشعب الروسي المتعدد القوميات، والمعتز بهويته وقوميته الروسية. ثم جرى انتخاب بوتين، وابتدأ خطوتين جذريتين: القضاء على المافيات الروسية الكثيرة والقوية، وإعادة كل مؤسسات القطاع العام إليه من جديد، بتخليصها من أيدي المليارديرات الروس، أو ما اصطلح على تسميتهم بـــ«الطغمة الأوليغاركية» . وأعاد بوتين للدولة هيبتها، وتمكن من استخلاص الأموال من كل الذين سيطروا فعلياً على الاقتصاد الروسي، أعاد إليهم أثمان ما دفعوه، وصادر الباقي، وكانوا قد اشتروها بأبخس الأثمان. خلال سنتين إلى ثلاث سنوات، استطاع بوتين أن يجعل الاقتصاد الروسي يقف على قدميه، وجرت تصفية كل المافيات .وهذا ما أثار غضب عواصم الغرب الإستعماري. من جانبها فإن الأوساط الغربية أرادت المشاركة في الانتخابات الروسية على طريقتها، فجاءت قضية العميل المزدوج سكريبال، وخيضت حملات إعلامیة منسقة موجهة للداخل الروسي. تماماً كما كانت الحال في زمن إذاعة أوروبا الحرة زمن الاتحاد السوفیاتي، التي كانت تثیر الشكوك في القیادة السوفیاتیة وتضرب على وتر الأزمات الاقتصادیة والاحتیاجات الیومیة للشعوب السوفیاتیة، وحكایة «الطوابیر» أمام المخازن التجاریة وخلو رفوف الأخیرة من المواد الأساسیة، وغیاب الحریات وغیرهامن الأكاذیب التي یبرع إعلام الغرب في اختراعهاوالترویج لها.
لقد ركّزت وسائل الإعلام الغربیة، التي لم تهمل أي فرصة لشیطنة بوتین والغمز من قناته، والتقلیل من مكانته، والتصویب علیه باعتباره الذي یُصدر الأوامر لاغتیال المنشقّین من عملاء الاستخبارات الروسیة السابقین، أو المعارضین المتّهم معظمهم بالفساد ونهب المال العام، الذین تمكنوا من الهرب وتوظيف أموالهم في الخارج وينفقون أموالا هائلة للتحريض على بوتين. نعم، تواصل الأوساط الغربية حملتهاالشخصیة والشرسة ضد الرئیس الروسي، بعد أن استنفدت حملتهاالمبرمجة المعروفة بـ (الروسو فوبيا) هدفها، وسجلت فشلاً ذریعاً، تمثّل في مواصلة روسیا دورهافي تعریة العدوانیة الامبریالیة وعسكرتهاللعلاقات الدولیة وسعیهاالمحموم لفرض هیمنتهابالقوة، بالضد من القانون الدولي ومصالح الدول والشعوب الأخرى المشروعة، معتمدة فقط ودائماً على ترسانتهاالعسكریة االكبيرة، التي ترى فیها– وكما جاء في استراتیجیة الأمن القومي خاصتهاالتي اعتمدتهامؤخراً – سبیلاً «لتحقیق سلامها» المزعوم، عبر مقولة «السلام من خلال.. القوة « تماما كما هو الشعار الإسرائيلي! وقد بدأ مصطلح جدید یأخذ طریقه إلى العالم منذ الآن، وهو «البوتين فوبيا» الذي باشرته وسائل الإعلام الغربیة وخصوصاً الأمريكیة والبریطانیة، لشیطنة الرئیس الروسي وتحمیله مسؤولیة تدهور العلاقات الغربیة الروسیة.
انطلاقا من كل تلك الأسباب العملية والعلنية جرى انتخاب بوتين. أما ما لا يعرفه كثيرون فإن بوتين عزف دوما على العامل المؤثر في غالبية الروس، وهو العامل القومي فالروس معتزون بقوميتهم. ورغم مضي قرنين زمنيين على غزو نابليون لروسيا، في عام 1812 والذي مثّل نقطة تحول تحول في الحروب النابليونية. هذه الحرب تعرف في روسيا بالحرب الوطنية الروسية. حاولوا في الغرب إعادة الفضل في الانتصار الروسي على نابليون إلى :»الجنرال ثلج»! هذا غير صحيح ولو لم تكن هناك إرادة روسية لهزيمة نابليون لما هُزم. ثم جاء الغزو النازي لروسيا عام1939في الحرب العالمية الثانية، ووصلت القوات الألمانية إلى حدود موسكو، وحاصرت لينينغراد وستالينغراد (اليوم هما سانت بطرسبرغ وفولغاغراد)، ولولا دخول روسيا الحرب، لربما تغير وجه التاريخ. ومن يقرأ مؤلفات الكتاب الروس العظام مثل ليو تولستوي وديستويفسكي وميخائيل شولوخوف، وأشعار ماياكوفسكي، وجليبنيكوف، ومكسيم غوركي، وكتاب «الأركان السوفياتية في زمن الحرب» للجنرال شتيمينكو، وقد كان سكرتيرا لستالين، كما فيكتورشيكلوفسكي، أليكسي كروشيونوف وروايات الحرب الوطنية العظمى مثل «الفجر هادىء هنا» لبوريس فاسيليف، و»كيف سقينا الفولاذ» لنيكولاي أستروفسكي، إضافة إلى الروايات والكتب المتعلقة بحرب الأنصار (الفدائيين) يدرك حقيقة ما جرى في الحربين، ومدى الاستعداد الروسي للقتال. لقد خسر الاتحاد السوفياتي عشرين مليونا من أبنائه في الحرب العالمية الثانية، ورغم مرور قرنين وعقود كثيرة على الحربين، ما زال الشعب الروسي يعتز بدوره الحاسم فيهما. بوتين بخطابه القومي الروسي كأنه يخز هذه الأمجاد في نفوس الروس.
يظل بوتين منشدا إلى الحقبة السوفييتية، وعلى ذمة مستشاريه، بكى يوم انهيار الاتحاد السوفييتي، وانتهاء الحرب الباردة، ذلك الانهيار الذي وصفه في منتدى ميونيخ للأمن عام 2007 بأنه «أكبر كارثة جيواستراتيجية في القرن العشرين». تلك القراءة، هي التي حكمت سياسات الرئيس الروسي منذ ذلك الحين حتى الآن. لذا من الطبيعي والحالة هذه أن تشعر الولايات المتحدة بالقلق من بوتين، ومن الدور السياسي الروسي، المتصاعد عالميا بوتائر متسارعة.
عاشت الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ودول المنظومة الاشتراكية، وانتهاء الحرب الباردة، مرحلة ذهبية، في عالم تميز بالقطب الواحد، وبقيادة أمريكا للساحة الدولية، ومن ثم وبعد مضي عقدين من الزمن، ظهرت روسيا والصين كدولتين كبيرتين ومؤثرتين، إلى الحد الذي يمكن القول فيه: إن قطباً عالمياً آخر بدأ في التشكل في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها. هذا الواقع الجديد يفرض حقائقه واقعاً على الأرض. إحدى هذه الحقائق: أن أمريكا لم تعد اللاعب الوحيد على الساحة الدولية، فروسيا والصين، خاصة الأولى، لهما وجهات نظر مغايرة لما تراه واشنطن وتحدده من مواقف سياسية.
من العوامل الأخرى الخفية: شكّل بوتين فريقيْ عمل كمستشارين له، أحدهما من المحافظين المتشددين، والثاني من الليبراليين، أمام مواجهة القضايا السياسية الكبرى، يجتمع بكلّ من الفريقين على حدة ليستأنس بالآراء المختلفة، يوازن بين الرأيين، ويتخذ قراره، الأمر الذي يشعر السياسيين القريبين منه بديموقراطيته، ثم إنه يقدم نفسه كرئيس لكل الشعب الروسي، وليس فقط كرئيس لحزب « روسيا الموحدّة»! يكفي أنه يتعامل مع الغرب على قاعدة «العين بالعين والسن بالسن». كانت خطوة ذكية من الرئيس بوتين أن كشف عن أسلحة روسيا المتطورة، وبخاصة الصواريخ الجديدة قبيل الانتخابات. لكل هذه الأسباب فاز بوتين وبنسبة كبيرة.
كاتب فلسطيني

x

‎قد يُعجبك أيضاً

العراق… في انتظار الثورة الثقافية

لم يعد من الصحيح الحديث عن ...