الرئيسية | المقالات | لماذا نُعارِض المَجلس الوطنيّ ودَورة انعقادِه الحالِيّة في رام الله المُحتلَّة

لماذا نُعارِض المَجلس الوطنيّ ودَورة انعقادِه الحالِيّة في رام الله المُحتلَّة

لماذا نُعارِض المَجلس الوطنيّ ودَورة انعقادِه الحالِيّة في رام الله المُحتلَّة ونُشَكِّك في شَرعِيّتِه وقَراراتِه والمُؤسَّسات القِياديّة التي سَيُشَكِّلها؟ وهَل سيكون خِطاب الرئيس عبّاس هو الوَداعي الأخير؟ وما هو بَديلنا عن الهياكِل المُقتَرحة التي يَتم التَّرويج لها حاليًّا
April 30, 2018
إصرار الرئيس الفِلسطيني محمود عباس على عَقد المَجلس الوطنيّ الفِلسطيني في رام الله رُغم المُناشَدات العَديدة التي طالبته بالتَّأجيل وجَرى توجيهها إليه من فصائِل وشخصيّات وازِنة في

عبد الباري عطوان

العَمل السِّياسيّ الفِلسطينيّ، يُؤَكِّد أنّه يَمضِي قُدُمًا في خُطَطِه الأُحاديّة الجانِب التي تتجاهَل إرادَة مُعظَم أبناء الشَّعب الفِلسطيني، وحَقِّهم المَشروع في المُساهمةِ في تَشكيلِ الأُطُر السياسيّة التي تُقَرِّر حاضِر القضيّة الفِلسطينيّة ومُستقبَلِها عَبر مُمَثِّليهم وأحزابِهم وفَصائِلهم.
المجلس الذي انعقد اليوم في مدينة رام الله المُحتلَّة يتمتّع بشَرعيّةٍ مَنقوصة، ولا يَلتزِم بالنِّظام الأساسي ومُتطلَّباتِه الذي يُصِر على تَمثيلٍ أوسَع للشَّعب الفِلسطيني، وضَوابِط العُضويّة المَنصوصِ عليها، ولذلك لا يُمكِن أن يُعطِي الشرعيّة التي يَسعى إليها الرئيس عباس لنَفسِه وللأُطُر الفِلسطينيّة التي ستتمخَّض عنه، مِثل المَجلس المركزي، واللَّجنة التنفيذيّة للمُنظَّمة.
إنّه مجلس الرئيس عبّاس، والمَجموعة المُحيطَةِ بِه، وليس مَجلِسًا يُمثِّل الفُسَيفساء السِّياسيّة والجُغرافيّة للشَّعب الفِلسطيني، بِما في ذلك مُعظَم حركة التحرير الوَطني الفِلسطيني “فتح”، كُبرى الفَصائِل الفِلسطينيّة وحِزب السُّلطة الحاكِم، وهذا ما أكَّد عليه السيِّد مروان البرغوثي، عميد الأسرى في سُجون الاحتلال.
فعندما تغيب عن المُشاركة فيه حَركتا “حماس” و”الجِهاد الإسلامي”، إلى جانِب الجبهة الشعبيّة لتحرير فِلسطين، الفصيل الثاني في مُنظَّمة التحرير، والغالبيّة العُظمَى للأعضاء المُستقلِّين المُخَضرمين، فإنّه لا يُمكِن القَول أنّ هذا المَجلس في دَورة انعقادِه في رام الله يُمَثِّل الشَّعب الفِلسطيني، ويَعكِس الصُّورة المُثلَى لأهَم المُؤسَّسات التشريعيّة الفِلسطينيّة.
المجالس الوطنيّة كانت دائِمًا عُنوانًا بارِزًا للوِحدة الوَطنيّة الفِلسطينيّة، ومِظلَّةً لمُختَلف ألوانِ الطَّيف السِّياسيّ الفِلسطينيّ، وتَجسيدًا للديمقراطيّة الثَّوريّة والنِّضاليّة في أبهَى صُوَرِها، وحِفاظًا على الثَّوابِت الوَطنيّة، ولكن الرئيس عبّاس بالإصرار على عَقد المجلس في رام الله، ضَرَبَ عرض الحائِط بِكُل هذهِ الرَّكائِز، وفَضَّل أن يكون مجلس اللَّون الواحِد، اللَّون الذي يُفَضِّلُه هو، والقرارات التي يُريدها بالتَّالي.
لا يُمكِن أن يكون المَجلس الوطني مُستقِلًّا في قَراراتِه طالما انعقد تحت حِراب الاحتلال، ومُبارَكة وتسهيلات إسرائيليّة، ولا يُمكِن أن تكون العُضويّة فيه في مُعظَمِها شَرعيّةً طالما لم يتم التَّحقُّق بِشَكلٍ دقيقٍ في أصحابِها، وخاصَّةً الأعضاء الجُدد الذين تَم اختيارهم وِفق مُواصَفاتِ الوَلاء للسُّلطة ورئيسِها والمَجموعة الضَّيِّقة المُحيطةِ بِه، ولو علمت سُلطات الاحتلال أنّ هذا المَجلس سيتبنَّى قراراتٍ بِوَقف التَّنسيق الأمني، وإعلان المُقاومة بأشكالِها كافَّةً، فِعلاً لا قَولاً، لما سَمحت بانعقادِه، فهي صاحِبَة الكَلمة الأُولى والأَخيرة في رام الله المُحتلَّة.
لا نُجادِل مُطلقًا بأنّ مَوقِف الرئيس عبّاس المُقاطِع للمُفاوضات مع دولة الاحتلال الإسرائيلي والاتّصالات مع الإدارة الأمريكيّة احتجاجًا على نَقل سفارَتِها إلى القدس المُحتلّة، وتَكريسِها لها كعاصِمة لإسرائيل، مَوقِف يستحق الدَّعم والمُسانَدة، ولكن شَريطة أن يأتي هذا المَوقِف في إطار بَرنامَجٍ سياسيٍّ مُقاوِم، يعتمده مجلس وطني شرعي يُمَثِّل الغالبيّة السَّاحِقة من القِوى الوطنيّة الفِلسطينيّة، ويَحظى بالتَّصعيد العَملي على الأرض وِفق آليّاتٍ واضِحة.
الشَّعب الفِلسطيني، أو مُعظَمه، لم يَعُد يَثِق بالسُّلطة ورئيسِها، وهياكِل المُنظَّمة الحاليّة ومُؤسَّساتِها، بسبب تَفرُّد الرئيس الفِلسطيني بالقَرار، وفَرضِه عُقوباتٍ على الجَناح المُحاصَر من الوطن، أي قِطاع غزّة، تَصِل إلى حد التَّجويع والإذلال، ونحن نَتحدَّث هُنا عن مِليونيّ فِلسطيني في قِطاع غزّة، ويتجاهَل المُقاوَمة الشَّعبيّة المُبدِعة التي انطلقت على أرضِه المُتمثِّلة في مسيرات العودة، والأهم من كُل ذلك، أنّ قرارات هذهِ المُؤسَّسات الوطنيّة الفِلسطينيّة وعلى رأسِها المَجلِسان الوطنيّ والمركزيّ، بِوَقف التَّنسيق الأمني خاصَّةً، ولا تَحظى بأيِّ احترامٍ أو تنفيذ.
الرئيس عبّاس سيَجِد من يُصَفِّقون له وُقوفًا مِثلما جرى أثناء إلقائِه لكلماتِه الافتتاحيّة، مِثل كُل اللِّقاءات السَّابِقة، وإطلاق بعض الهتافات المُؤيِّدة له وسِياساتِه، ولكن هذهِ المُمارسات لن تمنحه الشَّرعيّة، ولن تُغَيِّر صُورته في أذهان مُعظَم الفِلسطينيين، وهي صُورةٌ غير وَرديّة على الإطلاق، ولا نَقول أكثر من ذلك احترامًا وتأدُّبًا.
إن أخطر ما يُمكِن أن يَتمخَّض عنه هذا المجلس هو تكريس الانقسام الفِلسطيني، وتقويض مُنظَّمة التَّحرير مُؤسَّساتِها، وإصدار قرارات لا تَحظى بالشَّرعيّة، ناهِيك عن التَّطبيق، مِثل القرارات الأّخرى، فهَل سيُقرِّر مَثلاً حل السُّلطة، وسَحب الاعتراف بدَولة إسرائيل، ومُحاسَبة الرئيس عبّاس وقِيادته على فَشل المَشروع التَّفاوضي، وعدم احترام قرارات المجلس المركزي بوَقف التَّنسيق الأمني؟
نحن في هذهِ الصَّحيفة “رأي اليوم” نَتمسَّك بمُنظَّمة التحرير الفِلسطينيّة كمِظلَّةٍ جامِعة لكُل ألوان الطَّيف السِّياسي الفِلسطيني، وفي هذهِ المَرحلة الحَرِجة، ونُعارِض بِشِدَّة إيجاد أي بَدائِل لها، ولكنّنا في الوَقت نَفسِه لا نًقبل استخدامها، أي المُنظَّمة، كغِطاءٍ لفَرض اللَّون السِّياسيّ الواحِد، والاستمرار في نَهج مُفاوَضات عَقيمة، وبرامِج سياسيّة فاشِلة، وأداة لحِصار قِطاع من الشَّعب الفِلسطيني وتَجويعِه، والاستمرار في توفير الحِماية للمُستوطنين، وتَعزيز الاقتصاد الإسرائيلي، وتَوظيف قُوّات الأمن الفِلسطينيّة في خِدمَة الاحتلال.
خِتامًا نُطالِب بدورة جَديدة للمجلس الوطني الفِلسطيني على أرضٍ مُحايدة، بعيدًا عن هَيمنة الاحتلال وإملاءاتِه، يتمثَّل فيها مُختَلف الفصائِل والحَركات الفِلسطينيّة، وعلى أرضيّة مُواصَلة المُقاومة لتَحرير كُل التُّراب الفِلسطيني المُحتَل بالطُّرق كافّة، ورَفض اتّفاقات أوسلو وكل ما انبثَق عنها من مُؤسَّسات، وصَدر عنها من قرارات، وعلى رأسِها الاعتراف المَجَّاني بإسرائيل، وحَل السُّلطةِ الفِلسطينيّة.
كُنّا نَتمنّى من مجلس الرئيس عبّاس الوطني الذي ربّما يكون “الأخير”، أن يكون مَجلِسًا تَوحيديًّا “مُختَلفًا”، وخِطاب “وَداعِه” وثيقة تاريخيّة، تُلبِّي طُموحات الشَّعب الفِلسطيني وتُطبِّق ما ورد في خِطابات الرئيس عبّاس، سواء أمام الجمعيّة العامّة، أو مُؤتَمرات حركة “فتح”، ونحن نَقتَبِس هُنا ما وَرد في خِطابِه أمام المَجلِس الثَّوري، ولكنّه أراد غير ذلك للأسَف، وهَذهِ قِمّة المأساة.
“رأي اليوم”

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الجبهة الشعبية والمسؤولية الوطنية

قطعت قيادة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين الطريق على كل المتشككين ...