إعادة بناء المخيم: وفق أي معايير؟
أتى إعلان رئيس «هيئة الصندوق المركزي للمهجرين» في لبنان فادي عرموني في تصريحه أمس، عن وضع «المرحلة الثانية من إعادة ترميم الشقق السكنية وإعادة إعمار بعضها المهدم جزئياً في المنطقة الواقعة في المحيط المباشر لمخيم نهر البارد القديم، والممولة بهبة الحكومة الإيطالية من خلال وكالة التنمية الإيطالية التابعة لوزارة الخارجية الإيطالية»، موضع التنفيذ الفعلي متأخراً جداً، مع الإشارة إلى أن المقصود بهذه المرحلة ليس إعادة أعمار المخيم المهدم بل ترميم 384 شقة سكنية صنفت بعبارة «تحتاج إلى ترميم» و42 فقط صنفت «مهدمة جزئياً».
لم يأت الإعلان متأخراً وفق الأجندة اللبنانية التي اعتدنا على تأجيل كل ما يتعلق بإعادة أعمار المخيم المنكوب وجواره، بل وفق أجندة الدولة المانحة، والتي يفترض بها أن تكون بعد سنوات من عملها المباشر على الأرض من خلال منظماتها المدنية العاملة في لبنان على برامج إنمائية منذ حرب تموز 2006، وخبرت ما خبرت من عملية إعادة الإعمار في مناطق مختلفة من لبنان، ومن خلال شركاء محليين، أن تكون الأقدر على استباق الوقت للحد من معاناة اللاجئين المضاعفة معاناتهم.
ما يستوجب الإضاءة عليه هنا، ليس مشاركة خمس من أصل سبع عشرة منظمة إيطالية عاملة في لبنان دعيت للمشاركة في العروض المستدرجة، ولا على المنظمتين اللتين رست عليهما تلك العروض. وبطبيعة الحال ليس على المتعهدين اللبنانيين أو الأجانب الآخرين الذين سيعملون تحت إشراف المنظمتين والصندوق المركزي للمهجرين.
إن ما يدعو إلى القلق هنا، وبعد أن لمسنا لمس اليد ما آلت إليه عملية إعادة الإعمار بعد حرب تموز 2006 في الجنوب اللبناني، ووفق مسوح ميدانية مدنية لما أعيد إعماره، من غياب تام للتجهيز الهندسي الذي يحترم حاجات الأشخاص المعوقين بحده الأدنى، هو «وفق أي معايير ستتم عملية إعادة إعمار مخيم نهر البارد؟».
هل وفق المعايير الدولية التي تحترمها الدولة الإيطالية، والتي تعتبر في مصاف أفضل الدول احتراماً لحقوق شريحة تصل إلى عشرة في المئة من السكان؟ أم وفق منطق «حارة كل مين إيدو إلو» التي ضيّعت على لبنان «فرصة ذهبية» في إعادة إعمار أكثر من عشرين ألف وحدة سكنية، وعشرات آلاف الوحدات التجارية بما يحترم حاجات شريحة ليست قليلة من السكان؟
إن المهلة الممنوحة للمنظمتين للانتهاء من الأعمال والتي حددت بعام كامل، تليه مهلة ستة أشهر كتمديد، هي أكثر من كافية لتنتج المنظمتان تجربة نموذجية في إعادة إعمار دامجة. ولن تكون في انتظار تضمين مرسوم البناء والإنشاءات المعايير الدامجة الدنيا وفق القانون 220/2000 في قسمه الرابع المتعلق بالبيئة الدامجة، فاستصدار هذا المرسوم يحتاج إلى معجزة لبنانية حقيقية قد يتقاطع فيها السياسي بالمناطقي.
بل كل ما تحتاجه المنظمتان هو الجهود المدنية الوفيرة التي أصدرت أدلة توجيهية متخصصة للمهندسين، راعت فيها حاجات الأشخاص المعوقين في بيئة هندسية صعبة كمخيم نهر البارد، ومنها دليل خاص بإعادة الإعمار في المخيم صدر منذ سنتين عن «اتحاد المقعدين اللبنانيين»، وآخر بجهود مشتركة بين الاتحاد و«برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية» في الجنوب اللبناني، يتناول البيئة الدامجة. وهي أدلة أعدها مهندسون وزودت بالخرائط والمعايير المطلوبة.
فهل ستضيع هذه الفرصة كذلك؟