منتدى عبد خطار
منتدى عبد خطار

العودة   منتدى عبد خطار > منتدى فلسطين الحبيبة > الشتات والاجئين


آه يابا

آه يابا لو تعرف معنى الآه. أنت يا ولدي صغير، ما زلت تأكل من لحم غيرك، ولا زلت تشرب من ماء العين وغرة البئر، ما زلت غضا، طريا، ناعما، لم

 
  22-11-2009 00:26   رقم المشاركة : 1
:: عضو ::
The Noble
الصورة الرمزية The Noble

تاريخ التسجيل : 08-04-2009
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 162

The Noble غير متواجد حالياً
افتراضي آه يابا


آ
ه يابا لو تعرف معنى الآه.
أنت يا ولدي صغير، ما زلت تأكل من لحم غيرك، ولا زلت تشرب من ماء العين وغرة البئر، ما زلت غضا، طريا، ناعما، لم ينبت الشوك على لحمك، ولم يأكل الليل والظلام من نفسك، ولم تهاجمك الهواجس الموزعة في الأرض القفر حين تسند راسك على حجر من الصوان القاسي، أنت ولدت على قطعة من القماش، في غرفة مضاءة بالسراج، وحين حملت إلى البيت وزعنا فرحا بقدومك سلة من القطين والزبيب، فكان مجيئك إلى الدنيا يشبه مجيء الملوك.
آه يابا لو تعرف معنى الآه.
كنت صغيرا، لم أتجاوز الطفولة، ولكني حين كنت اسمعه يلفظها أحس أنها خارجة من أعماق سحيقة في المشاعر والأحاسيس، وكنت اربط بين الآه المجروحة، وبين الدموع التي تتحجر في مآقي عينيه، وكان الصدر الهابط الصاعد بتسارع يرتسم في ذاكرتي بطريقة تصويرية تحفظ التفاصيل الدقيقة. كنت اشعر بألمه الشديد وحرقته الملوعة، لكنه شعور الطفل الذي يشفق على والده ويرفض أن يراه مكسورا أو مهزوما، وحين تقدم العمر قليلا تحولت الشفقة إلى نقمة عارمة، ثم إلى بركان ! يتفجر بأعماقي ليحرق كل التوازنات والمعادلات، فأصبحت الآه المجروحة هم شبابي وأيامي وكل سنين عمري.
آه يابا.
على شاطىء حيفا كان لنا بيت، بيت جميل رائع، واسع ممتد إلى خاصرة البحر والموج، وكان على علاقة أزلية مع هدير البحر، مدا وجزرا، ولم يكن يخلو من رائحة الأعماق المجهولة، رائحة مركبة من الطحالب والإسفنج والمرجان واللؤلؤ، وكانت الالون تتقلب فيه وتتموج مع تقلب الموج وتموج الشمس، فتارة يغزوه الازق، وتارة يسكنه الأخضر، وتارة يدخل الشفق المرهق ليحط رحاله على أرضه وبلاطه. بيت يا ولدي، لا يشبه البيوت، فهو كالحلم السندسي، حلم عذب يسكن كل جوارحك وأعطافك، تتمسك به خوفا من انفلاته إذا ما فتحت العين الغارقة بجنان الخلد ورياحين البقاء.
وعلى الشرفة التي ترقب الأفق الممتد فوق مياه البحر، كانت نبتة ياسمين ضخمة، تتدلى أفرعها على الحائط، تحاول التسلل إلى أعماق البيت، لكننا كنا نوقف زحفها نحو الداخل بتشذيب أغصانها الرقيقة حول النوافذ بيد خبيرة حنونة، فتبدو النوافذ وكأنها فصلت وصنعت من الياسمين فقط، كنا نتحايل على الياسمينة بان نوزع بين فروعها وأغصانها فروعا! وأغصانا من نبتة متسلقة شديدة الخضرة، لها وردة تتكون لتعطي في لحظة اكت مالها شكل بطة ناصعة البياض، في بداية الأمر كنا نشعر بان الياسمينة ترفض بخفر إستقبال تلك المتسلقة، لكن بعد وقت ما أحسسنا بان علاقة ود اخضر ابيض قد جمع بين البط وزهر الياسمينة، تآلف النبات كتآلف البحر والمدى مع عتبات البيت المبللة بملح الموج وأسراره.
آه يابا آه.
وفي الجهة الخلفية، الجهة التي تمتد إلى خاصرة الأرض، كان الرمان، وكان الليمون، والكرز، والعناب، والتمر حنا، وكان البرتقال، برتقال حيفا المنتشر عبر ميناء بحرنا إلى موانىء الكون والأرض، ليحمل رائحة فلسطين، ونكهة فلسطين، وشهد الأرض والمطر إلى كل أفواه العالم، إلى كل الأفاق التي تفتح أفاقها شوقا لاستقبال رائحة حيفا، وعبير الأرض والموج والشاطىء. كانت الخضرة تداهم المكان، وتقتحم الحمرة الخجلة المتشققة من الكرز والرمان كل الأجواء، فتشعر بارتواء الأرض والسماء، وتستبد رموش الحياء في كل ذرة من ذرات الهواء، فتنبعث روائح أنوثة العذارى لتغطي مساحات ممعنة في نسيم البحر الراحل من الميناء إلى بلاد العرب وأصقاع المسلمين، وكانت البلابل تأتي لتنشد وتغرد، تشاركها العنادل بصداح محبب رقيق، وكان الدوري يبني أعش! اشه فوق الأغصان حبا وولها، وحين كان يأتي الصباح بخطى الهوينى، كنا نفيق على صوت الآذان وهو يدخل أعماق البحر والنفس، آذان ترافقه نغمات الصداح والتغريد والزقزقة، ممزوجا بروائح البحر والليمون والياسمين، مضمخا بروائح العناب والكرز والحناء.
آه يابا، آه وألف آه.
أنت لم تجرب ولو مرة واحدة أن تأخذ بيديك قليلا من التراب الساكن ارض حيفا، لتقربه من انفك، لم تجرب أبدا أن تدلك يديك بتراب حيفا حين تفرغ من تقشير البرتقال والليمون، ثم تقفز بعض خطوات نحو البحر، لتغسل يديك بملوحة البحر ورائحته، لم تجرب، لذلك أنا اعرف انه عصي عليك أن تدرك كيف تأتلف المشاعر وتتشكل لتندمج بأغوار النفس والإحساس والذهن، كيف تتكاتف العاطفة مع الأرض، مع السماء، مع التراب، مع البحر، مع المدى، مع الأفاق المفتوحة على ما لانهاية، مع صوت المؤذن وهو يقتحم الأثير والأذان، حيفا يا ولدي، حكاية أخرى، لا تشبه الحكايات، قصة أخرى، لا تشبه القصص، رواية أخرى، لا تشبه الروايات، قصيدة أخرى، لا تشبه القصائد، حيفا أنشودة لا تنشد إلا بصوت بحرها وأرضها وسمائها، حيفا أنشودة الأناشيد، وقصيدة القصائد، حيفا يا ولدي هي! حيفا.
لم يكن ليخطر ببالنا أبدا، يوما ما، بأننا سوف نن تزع من حضنها، ولم نكن نتوقع يوما ما، أن تنتزع حيفا من أحضاننا، لأنها أمنا المطلقة الأمومة، ولأنها وليدتنا المتجددة الطفولة، لكننا انتزعنا منها قسرا وقهرا، وتركت حيفا عارية، بلا ستر، تركت عذراء الكون عارية لمجموعة من الأوغاد، فسالت دماء بكارتها، سالت نحو البحر، نحو الأرض، ودوت صرخاتها في أعالي الكون، فهزت الأفاق والآماد، هزت الجبال والأشجار، هزت البحار والمحيطات، لكنها يا ولدي، لم تهز نخوة العروبة أو حمية الإسلام.
تركت وحيدة، عارية، تتناوشها الرياح والعواصف، تضربها الزوابع والأعاصير، يستبيح حرمتها وعذريتها من لا يعرف للأخلاق أي قيمة، ومن لا يعترف للإله بألوهيته وعدالته، تركت وهي تصرخ طالبة النجدة، لكنها لا زالت منذ تلك اللحظات تصرخ، وحمية الدين، ونخوة العرب، تتحاشى سماع الصرخات المتأوهة، بل وشارك جل العرب والمسلمين في تمزيق بكارتها وفاء لأولئك الأغراب.
كنت وأمك نفيق كل صباح، نتعطر بروائح الزهر والياسمين، نعانق الآذان، نتلفع بهيبته، نصلي الصبح، نقطر إيمانا وخشوعا، نسبح، نرفع أيدينا متوسلين بالدعاء رحمة الله ومغفرته، نصنع الشاي، ونخرج لتناول الإف! طار بين أغصان الشجر، نراقب البحر والموج، ننظر إلى المراكب والبواخر القادمة لترى سحر حيفا، لتتنسم عطر البحر والأرض، كنا نعيش في الجنة.
آآآآآآآآآآه يابا آآآآآآآآآآآآآآه
أتعرف ما معنى الآه؟
اليوم نحن خارج حيفا، نصحو على اللاشيء، على اللامكان، على اللازمان، نصحو لنجد أنفسنا في العراء، بلا سقف، بلا جدران، دون بحر، دون الياسمينة والمتسلقة، نصحو لا نعرف ماذا نفعل، نصلي وندعو، لكن لا نعرف كيف أو أين نقضي حاجتنا، لا نعرف أو أين سننام في الأيام القادمة، كل شيء تغير، كل شيء، كانت الصدمة اكبر كثيرا من قدرتنا على التصديق والاستيعاب، كانت النكبة تخصنا نحن، نحن من شردنا وهجرنا عن أرضنا، عن ماضينا، عن ذكرياتنا، عن جذورنا، عن بحرنا، عن أصول أجداد الأجداد، كانت الكارثة، كارثتنا نحن فقط، لم يكن العالم يفهم حين كنا نرسل آهاتنا وزفراتنا المكلومة إلى أفاق الكون، قالوا:- "ستعودون يوما إلى حيفا". كنت اعرف، كما عرف كل أهل حيفا، بأنهم يتحلون بالأعذار لتسكين حر شوقنا ولهفتنا، كانوا يشاركون في هزيمتنا، في تغريبنا، في تعذيبنا، كنا نسمع الجنود وهم يبكون لحظة تسلمهم! أوامر الانسحاب لإخلاء الأرض أمام الغرباء، كنا نسألهم:- " ما الذي يبكي كم" كانوا يملكون جوابا واحد، بعدة لهجات:- " ماكو أوامر ". حتى أوامر المقاومة انتزعت منهم، تماما كما انتزعت حيفا من أحداقنا، وكما انتزعنا نحن من أحداقها. دموعهم كانت تحرقنا، تزهق امالنا وأحلامنا، العودة يا ولدي كانت تحتاج إلى رجال، إلى رجال، إلى رجال، وليس إلى جيوش لا تحمل سوى مدافع حشواتها من قماش يثير دخان، دخان فقط، العودة يا ولدي كانت تحتاج إلى أناس يعرفون الله، يؤمنون بسيرة محمد وأعماله، إلى رجال يعرفون معنى الألوهية، ليعرفوا معنى حيفا، معنى الشهادة من اجل حيفا، عروس الكون، ودرة العالم.
حيفا سقطت، حيفا ضاعت، ثم يافا، ثم تل الربيع، ثم أم الرشراش، وهكذا، ضاعت فلسطين، أصبحنا بلا وطن، بلا ارض، بلا جذور، وزعنا لاجئين على ارض العرب، وعلى ارض الوطن، لا نملك من امرنا أي شيء على الإطلاق، ينظر الناس إلينا بتقزز وتعال، نحن أهل البحر، وسادة الأفاق، كنا ننتظر المراكب والجواري لنرحب بالقادمين، نستقبلهم ونمنحهم صدر البيت، تحولنا إلى مخلوقات يتحاشى الناس الاقتراب منها أو التعامل معها.
أتعرف يا ولدي معنى المثل القائل:- من خرج من داره، بنقل مقداره ". نعم يا! ولدي، حين خرجنا من حيفا لنوزع على الأرض، فقدنا قيمتنا وفقدنا مقدارنا، الكل طلب منا أن نقابل كرم قبوله لنا بأرضه بإعلان الولاء التام له، وهذا الولاء، كان يعني التخلي عن هويتنا، عن أحلامنا، عن حتمية عودتنا، وحين رفضنا، جزرنا وذبحنا، وهجرنا من ميناء إلى ميناء، نحمل هويتنا وكينونتنا، نحمل أحلامنا ورؤانا، نحمل الام ماضينا وصيرورة ثباتنا. كنا فوق الجراح، فوق العذابات، لا نثق بمن ضيع الأرض والعرض، لا نثق بالعروش المستعارة والألقاب الكاذبة، شققنا وبأيدينا حجب الظلمات، ومزقنا بإرادتنا قطع الليل، قلنا:- وبكل ما نملك من قوة، فلسطين حقنا الإلهي والتاريخي والشرعي، فلسطين يبوس وكنعان، فلسطين نبينا إبراهيم ويوسف ويعقوب ومحمد وزكريا وموس وعيس – عليهم الصلاة والسلام – فلسطين ملكنا، ملك العرب، ملك المسلمين، ملك صلاح الدين وعمر بن الخطاب، ملك نور الدين زنكي وسيف الدولة الحمداني واحمد باشا الجزار، ملك قائدها ياسر عرفات و شيخها احمد ياسين ويحيى عياش وعبد العزيز الرنتيسي، وكل كل الشرفاء والاحرارملك الجيش العراقي الذي خرج وهو يبكي وينظر إلى فلسطين نظرته الاخيره.
أصبحنا يا ولدي سلعة، يتاجر بها الملوك والزعماء، كم يساوي حقن! ا بالعودة، سؤال يحاول العالم تثبيت إجابته رغما عنا، سؤال تشارك عروش ال عرب والمسلمين بتمريره قسرا وجبرا. لكن الذي لا يعرفه الجميع، أننا لسنا للبيع، لسنا للمساومة، وشجرة الياسمين والمتسلقة اللتان تركتهما خلفي حين انتزعت من حيفا، هما اكبر من كل العروش والمقامات السامية التي يتباهون بها أمام العالم، وان ذرة تراب واحدة من حيفا هي أسمى وأعلى قيمة ووزنا منهم ومن عروشهم ومن جيوشهم الصامتة، فلسطين يا ولدي وصية الله والرسل والكتب والسماوية، لتكن أنت والأجيال القادمة حراس هذه الوصية، كونوا حراسا على مستوى الشرف الذي منحكم إياه الله، وارفضوا بكل ما تملكون من قوة وإباء وشموخ مستمد من وصية الخالق أن تكونوا عبيدا إلا لله، وشقوا بإيمانكم حجب طاعة من لا يطيع الخالق، واصرخوا صباح مساء، ليس هناك من يملك الحق بالتفاوض على الحق الإلهي للعرب والمسلمين في فلسطين. اصرخوا بأعلى أصواتكم ولا تخشوا شيئا، فالعمر واحد، والرب واحد.
أما أنا فاني أحملك أمانة نقل رفاتي من أي مكان في العالم إلى حيفا، أمانة تحملها لأولادك إن لم يسعفك الزمن في تحقيقها، حملها للأجيال القادمة، جيلا خلف جيل، وضعوا رفاتي بجانب البحر، واغرسوا فوق رفاتي شجرة ياسمين ومتسلقة، واكتبوا فوق ! شاهد قبري...
حيفا يا عروس البحر ودرة الكون
ها نحن قد عدنا إليك


التوقيع : The Noble
:frdy::frdy::frdy:

 
  22-11-2009 01:20   رقم المشاركة : 2
:: عضو ::
رانية محمد
الصورة الرمزية رانية محمد

تاريخ التسجيل : 06-03-2008
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 82

رانية محمد غير متواجد حالياً
افتراضي

تسلم يمناك أخي على الخاطرة الجميلة

أحسنت الذوق الله يعطيك الصحة


التوقيع : رانية محمد
يآربٌُ تعلَمـّ آمرُنا ولآ يخَفىْ عليكـّ خَوفنا خفف عنا ياربْ . . ~
إّرأفْ بنا وكُن لنا، وإّجَعلْ آلمكَيدنا علَىْ عدونا وإّنصُرنا يارب
وإّيدلنا بـّ جُندكـّ وملآئكَتكـّ وكُن حَآمي لنا وآمآن لنا يآربْ

 
  05-12-2009 23:50   رقم المشاركة : 3
:: عضو ::
The Noble
الصورة الرمزية The Noble

تاريخ التسجيل : 08-04-2009
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 162

The Noble غير متواجد حالياً
افتراضي

الله يخليكي اخت رانية
مشكور على ردك الجميل
تحياتي لكي


التوقيع : The Noble
:frdy::frdy::frdy:

 
  08-12-2009 15:43   رقم المشاركة : 4
:: عضو ::
الوطن والغربة

تاريخ التسجيل : 19-06-2009
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 221

الوطن والغربة غير متواجد حالياً
افتراضي

انها خواطر وصرخة للاباء جميلة بمعنى الكلمات للاباء الحنونين على اطفالهم


انها لفتة مميزة للغاية وتستحق القرائة والتمعن بها لاننا اباء لاطفالنا ونقدر ابائنا ولهم

والتقدير والاحترام


يا رضى اللة ورضى الوالدين





تحياتي اخي نوبل



الوطن والغربة
 

أدوات الموضوع



الساعة الآن 13:48



Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى عبد خطار
Style & Design By : Baddawi.Com