منتدى عبد خطار
منتدى عبد خطار

العودة   منتدى عبد خطار > منتدى فلسطين الحبيبة > الشتات والاجئين


نهر البارد: اشتعال الكلام بالحبر البارد

نهر البارد: اشتعال الكلام بالحبر البارد للمخيم الهارب من حجارة الخطيئة، الملقى كقربان في وهج النار كي ترضى عنا أباطرة المعبد، وعن الموؤُدة التي ستسأل يوماً: "بأي

 
  24-11-2008 13:47   رقم المشاركة : 1
:: عضو ::
ابو الحسن
الصورة الرمزية ابو الحسن

تاريخ التسجيل : 15-10-2007
مكان الإقامة :
عدد المشاركات : 468

ابو الحسن غير متواجد حالياً
افتراضي نهر البارد: اشتعال الكلام بالحبر البارد

نهر البارد: اشتعال الكلام بالحبر البارد



للمخيم الهارب من حجارة الخطيئة، الملقى كقربان في وهج النار كي ترضى عنا أباطرة المعبد، وعن الموؤُدة التي ستسأل يوماً: "بأي ذنب قتلت!". المعلق على صليب الغربة مسربلاً بإشتعال الكلام. كم يعتصر ابن المخيم أن يذرف له نهراً من الحبر البارد، علّه ينعش شفاه الجرح الحار في الموت العاجل، الذي يخطف أبنائه بلا استئذان كالخبر العاجل.

وجهان للموت، يأتيك بلا استئذان أو على عجل.
وجهان للقتل سيّان، بدم حار أم بدم بارد.

نحن أولاد النهر الذي عاشرت أناملنا الطريّة حصاه اللزجه، وداعبت أقدامنا نعنعه البري، وعانقت جوانحنا نورسه البحري. نهر البارد.

مخيم الشمال. قد يكون سر عشقنا له بأننا نخاله شمالنا الفلسطيني، الجليل كله في نهر البارد، يتربع على قمته (صفوريه) والتي تسمى بالمخيم بـ"العاصمة"، لأنها أكبر القرى فيه. هناك تستلقي (سعسع)، وعلى طرفه الجنوبي (البروة) وتمتد بين السوق والبحر (عمقا والغابسيه) وهناك تجثم (الشيخ داوود) وبين الدبه والمدرسة حارة (الدامون) وشمالها (جاحولا)،قرانا الجليلية ( السموعى وسبلان والصفصاف وعكبره) تراكمت داخله في كل حارة وحي وزقاق. حتى أن الجيل الجديد يعتقد أن أصله من تلك الحارة. أجاب أحد الصبية مرة على سؤال عن قريته جاحولا اين تقع؟ فقال، بالقرب من مكتب جبهة النضال! فأضاع الفارق بين النسخة والأصل. بين الشخص والصورة! فعلامَ يبكي الآن!.

المخيم الذي يفتخر بأنه الأبعد مكاناً عن الوطن من بين اترابه من مخيمات لبنان، لكنه الأقرب حباً وروحاً وحلماً ورائحة إليه، طرياً كذاكرة وطن.

نهر البارد، فيه ترقد عظام ولدت هناك من معالم وشواهد النكبة وعظماء من شهداء شقوا الطريق، وتعيش قصة جداتنا في ليله الشتائي الطويل. يعجّ بحكايات موجزة ومكررة. نصدقها أحياناً وصدقت فينا اليوم. هم رحلوا، والحكاية تستمر وها هي تستعاد كي نستلمها على بطاقة الاعاشة وشفقة المؤسسات الدوليه، شكلاً و مضموناً تعاش، وبالصوت والصورة ترى، وتبث على الهواء مباشرة.

اكتشفت الآن لماذا نهرب إليه دائماً ومن أجمل المدن؟ كأنه لجوء مستطاب مغموراً بدفئ الحكاية. فزعاً من جفاف المنفى أو رصيفاً على طريق نستريح فيه كي يتواصل الانتظار. نحمل حقيبة الحلم كي نستقل أول قاطرة تتجه صوب الجنوب.

نهر البارد. من جزَّ عنق الصباح الباكر فيك؟ وحرم اطفال الحارة من موسم شجرة المشمش؟ حين حضر الموت إليك بجلباب كحلي وثوب أفغاني...وعبر فوقي بسكين تقطر دما، واسترق اللون المخيمي الجميل من تقاسيم الوجه الترابي، سلالة الشوق المحمول على سرج النكبات من حواكير قرى الجليل.

اعترف على عجل.. اني لم استعجل استعادتك باكراً... ولم ألقي القبض على الموت حتى لا نقتل بجريرة ذنبٍ أو باختبار بطولة على حلبة، لا تتسع لخرائط الحرب الورقيه فكيف تكون ميدانها؟ وحتى لا يختصر المخيم ويصير(خانا) وتستل على رقابنا كل السيوف.

لكل نافذة كسرت ومنزل استقال من أهله والأبواب المشرّعة على الطرقات، وللحوائج التي اختلطت بالافرشه والبيوت المتلاصقة كالعلب، وهي تصلي تحت جنون النار، تجثو على ركبتيها فوق سجادة الزاروب الضيق.

اعترف لـ مخيم البارد الذي التف بنهر البارود وتجرّع كأس النار، ومهما تعفنت تحت الأنياب الشرهة فتات اللغه الحاقدة. انك من لحم ودم وحلم وناس، وأحاسيس تحترق ممن هجرك قسراً والتهبت مشاعرهم على أطراف الكرة الارضية، يصرخون وجعاً من أبناء نهر البارد، من استوكهولم إلى نيويورك إلى ايطاليا إلى فرنسا إلى الامارات العربيه. يقسمون للواجب وأن هويتهم تورق وتتطهر وتتجدد.

لأحزان المخيم الرمادية حينما اختفى كالحلم. جلَّ نضالنا وهمُنا كان كي يختفي (المخيم) يوماً، وتعود صفوريه شامخة إلى (ناصرتها) أو تستعيدها نصفها الآخر هناك. ولا ترقد مكسورة في مدرسة كوكب بمخيم البداوي. والعائلات الحبيبة تسير طريق الجلجلة تفترش الصف المدرسي والساحات. وجثة المخيم الممددة من ضفة النهر حتى طلعة البداوي. والروح المسكونه بهواء الجليل تتناثر كدخان البارود.

للطفل الذي فاجأني تحت الحصار، انه يشكو من اختفاء القطط . وآخر يجمع الشظايا كي يبيعها في سوق الخرده، والخبز المفقود والمتحول من اللون الابيض للأخضر، والأم التي خبأت (لفة) خبز لابنها، لكن شرطها ان لا يأكلها في الخارج حتى لا يجرح شعور بقية الصبية. لجامع الحاووز الذي بناه جدي "أبو عدنان" وصار يحمل اسمه حتى وفاته والتصق في الدار، حيث يلتم الجميع وقت الحروب، ويكون داخله أكثر من ستين شخصاً، ومن اليوم الأول تفوح رائحة الحمامات، وما تعنيه من القذارة والاشمئزاز، كعنوان لحرب وسخة.

للدار التي لم تفرغ من أهلها إلا بالأمس ولم تجد العائلة قفلاً لها، فبابها لم يعرف الانغلاق أبداً منذ ان شيّدت قبل 59 سنة.

لأمهات مولعة بربط الصرر وخرجن بلا زاد، لرسومات زيتية معلقه على جدار البيت وحيدة، ومكتبة تتمايل من تطاير القذائف، وملابس مازالت معلقة على حبل الغسيل، وكوب الشاي المسائي المتروك على طاولة أمام الباب.

للذين انزرعوا في المخيم كالأوتاد، حملوا الصليب كي يكون للعائدين من يستقبلهم، ولسان حالهم يصّر بأننا نستحق البقاء وأن الموت أشد رحمة من النزوح.

أعترف أننا لو لم نختلف على جنس الملائكة كنا عبرنا الموت قبل ان يعبرنا. ومنعنا المرارة من ان تقفز من الحلق كما القذيفة. وما سقط علينا السؤال المسموم : لماذا نموت بلا قصد؟ وممنوع ان نعد الجثث، أو نجد مساحة آمان أو مكان كي ندفنها. وفي مخيم يقع بين مقبرتين، جديدة وقديمة.

يا مخيماً ضاق على الموت فلا يخرج الميت من باب البيت إلى الزاروب... إلا وقوفاً. فضحايانا يذهبون إلى الموت وقوفاً، تنتصب الجثث وتسير لحتفها كأنه فرداً في جنازة، كجثة تسير في جنازتها، تحسبه حيّاً حتى يدفن.

واليوم صار القتيل لا يحصى ولا يعد ولا يدفن. قتيل لا يعرف ذنباً استحق قتله ومن هو قاتله...! أهو القاتل أم القتيل!؟ هويته ضاعت بين أن يكون فاعلاً ام مفعولاً به!.

امرأة عاشرت الموت في شاتيلا. صاحت بالوافدين مواسية لهم: انكم فلسطينيون وروحكم كالمغناطيس، كيفما يطلق الرصاص ولأي جهة أو سبب سينجذب حتماً إلى صدوركم!.

نولد مرةً، ننام على صبحٍ موعود وسماء مكشوفة، ونموت في كل مرة خلسة عن أعين الشمس ك "فرق عملة"، وننزح على حبال أرجوحة المخيمات ألف مرة ومرة، لكن الحلم وحده يشتعل فينا، كاحتراق الشوق في دمعٍ بارد.

مروان عبد العال
 

أدوات الموضوع


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى آخر مشاركة
اخر المستجدات في نهر البارد ابو امين الشتات والاجئين 09-01-2010 22:52
نهر البارد احكي يا تاريخ the boss الشتات والاجئين 30-10-2009 20:37
فريق التنميه - مخيم نهر البارد ابو امين منتدى اللجوء الفلسطيني الرياضي 18-05-2009 23:11
اهم وآخر اخبار نهر البارد ابو الحسن الشتات والاجئين 04-12-2008 07:41
تجار نهر البارد يعتصمون ابو امين منتدى مخيم البداوي 27-05-2008 14:59


الساعة الآن 10:55



Powered by vBulletin® Version 3.8.8
Copyright ©2000 - 2017, vBulletin Solutions, Inc.
جميع الحقوق محفوظة لمنتدى عبد خطار
Style & Design By : Baddawi.Com