الرئيسية | المقالات | بشرى مفرحة لكل إسرائيلي
بشرى مفرحة لكل إسرائيلي

بشرى مفرحة لكل إسرائيلي

بشرى مفرحة لكل إسرائيلي

وصفت وزيرة “العدل” المكلفة بملف المفاوضات في حكومة دولة الاحتلال الإسرائيلي، تسيبي ليفني، ما يمكن وصفه ب”تعريب” موافقة مفاوض منظمة التحرير الفلسطينية على مبدأ “تبادل الأراضي” في أي تسوية سياسية بين الجانبين بأنه “بشرى مفرحة لكل إسرائيلي”، وتطور “إيجابي جدا”، و”رسالة هامة” من العرب بالموافقة على “إعادة ترسيم حدود” 1967، وبموافقتهم على اعتبار المستعمرات الاستيطانية “الواقعة في المناطق الحدودية جزءا من “إسرائيل”، وبأنهم “ملتزمون بالتطبيع” معها.

وكانت ليفني تعلق على ما وصفه وزير الخارجية الأميركي جون كيري ب”النتائج الإيجابية” و”البناءة جدا” للاجتماع الذي عقده كيري، وحضر نائب الرئيس الأميركي جو بايدن جزءا منه، في “دار بلير” في البيت الأبيض الأميركي، واستضاف فيه وفدا عربيا برئاسة رئيس الوزراء القطري الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني وضم وزراء خارجية مصر والأردن والبحرين وقطر ووزير خارجية سلطة الحكم الذاتي الفلسطيني برام الله د. رياض المالكي والسفير السعودي في واشنطن العاصمة وأمين عام جامعة الدول العربية، وقد وصف رئيس الوفد الشيخ حمد هذه النتائج بأنها “مثمرة جدا وجيدة” وتندرج في “الخيار الاستراتيجي” لمبادرة السلام العربية.

وقد وصلت ليفني إلى العاصمة الأميركية الخميس الماضي للبناء على هذه “البشرى” ومعرفة مساحة الضفة الغربية التي يوجد استعداد لدى الرئيس الفلسطيني محمود عباس ل”مبادلتها” مع دولة الاحتلال، وللغرض ذاته يجري الحديث عن قمة رباعية تضم الرئيسين الأميركي والفلسطيني باراك أوباما وعباس والعاهل الأردني عبد الله الثاني ورئيس وزراء دولة الاحتلال بنيامين نتنياهو في العاصمة الأميركية، بدلا من العاصمة الأردنية كما ذكرت تقارير إعلامية سابقة، تطلق جولة جديدة من مفاوضات منظمة التحرير مع دولة الاحتلال، تذكّر بقمة مماثلة في أنابوليس الأميركية عام 2007.

والمفارقة أن هذه “النتائج الايجابية” للاجتماع لم تتطرق لا لقبول دولة الاحتلال بحدود عام 1967 ولا لتجميد الاستعمار الاستيطاني بالكامل ولا لإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وهي الشروط الثلاثة التي سبق للرئيس عباس أن كرر المطالبة بها كأساس لاستئناف المفاوضات، ليصرح بعد الاجتماع بعدم وجود أي شروط لديه “مطلقا” لاستئنافها، وليؤكد موافقته على “تبادل الأراضي” من حيث المبدأ لكنه أخضع هذا المبدأ للتفاوض بقوله: “عندما نجلس يمكن أن ندرس التعديلات المتبادلة، لكن تعديلات طفيفة بالقيمة وبالمثل”.

غير أنه وغيره من الناطقين باسمه يلتزمون صمتا مطبقا حول ما إذا كانوا قد أعطوا، أو لم يعطوا، موافقتهم على “تعريب” موقفهم هذا، واكتفوا بالقول، مثلا، إن “بيان الشيخ حمد يعكس المواقف الفلسطينية منذ فترة طويلة” وهو ليس “بالأمر الجديد” كما قال كبير مفاوضي المنظمة د. صائب عريقات وموقفه يعكس كذلك موقف حركة “فتح” كونه قياديا فيها وكونها تقود المنظمة، لكن كل الدلائل تشير إلى أن “تعريب” موافقة المنظمة على “تبادل الأراضي” كان بعلم الرئاسة الفلسطينية وموافقتها.

والمنظمة بذلك تسقط الورقة الوحيدة الباقية في يد مفاوضها بعد إسقاط أوراق المقاومة والانتفاضة، ف”تعريب” موقفها كان يطرح كثمن لاستجابة دولة الاحتلال لما كان يصفه المفاوض ب”استحقاقات السلام”، والعكس يعني تنازلا مجانيا لا تكفي الوعود الأميركية ضمانا لأي مقابل له، وينطبق ذلك أيضا على اعتراف دولة الاحتلال بحدود عام 1967 كشرط مسبق ل”التفاوض” على أي “تبادل للأراضي”، وهو ما أسقطه اجتماع الوفد العربي مع كيري – بايدن، لتكون خلاصة هذا الاجتماع من الناحية العملية قيدا عربيا ملزما للمفاوض باختياره.

لقد أدرك د. نبيل شعث، القيادي في “فتح” أهمية عكس هذه الأوليات، فحذر من أن أي تبادل للأراضي “يجب” أن يأتي بعد اعتراف دولة الاحتلال بحدود 1967، وأن “يتم في نهاية المفاوضات”، لكن تحذيره جاء بعد فوات الأوان، وكذلك تحذيره من أن مثل هذا التبادل يجب “ألا يشمل القدس والحدود الدولية مع الأردن”.

وسوف يحرص كل من شارك في اجتماع “دار بلير” على طمس حقيقة أن “تبادل الأراضي” إنما يجري في القدس أساسا وفي معظمه، وحقيقة أن مفاوض المنظمة سبق له أن وافق على ضم مجمعات “غوش عتصيون” و”معاليه أدوميم” و”جفعات زئيف” الاستيطانية في شرقي القدس، بالإضافة إلى مستعمرة “آرييل” جنوبي نابلس، لدولة الاحتلال، كما جاء في “مبادرة جنيف” لأمين عام اللجنة التنفيذية للمنظمة، ياسر عبد ربه، حيث اتفق على مبادلتها بشريط من صحراء النقب يوسع قطاع غزة.

ووصف مثل هذا التبادل ب”الطفيف” ينطوي على قدر كبير من التضليل الوطني، وتصوير المطالبة بتبادل “بالقيمة والمثل” يبدو منصفا في ظاهره لكنه في جوهره مفرط في الاجحاف، فكل شبر من بيت المقدس لا يمكن أن يعادل مثله في القيمة والمساحة في أي مكان آخر.

إن خلاصة اجتماع “دار بلير” تعني “نسخة جديدة” من مبادرة السلام العربية، كما وصفتها الأسوشيتدبرس، تفتح الباب لتعديلات أخطر لاحقة عليها مثل بندها المتعلق باللاجئين الفلسطينيين بحيث “سيصبح من الصعب إغلاق” هذا الباب كما قال عضو مركزية حركة فتح د. محمد شتية، و”تعيد ترسيم حدود” 1967 كما قالت ليفني، و”تشرع” المستعمرات الاستيطانية كما قالت الجبهة الديموقراطية وعضو تنفيذية المنظمة واصل أبو يوسف الذي وصف “مخرجات الوفد العربي” في واشنطن ب”الخطيرة” لأنها “تضفي “الشرعية” على هذه المستعمرات “تحت عنوان التبادلية”، وتلزم منظمة التحرير لمدة عامين بعدم البناء على اعتراف الأمم المتحدة بفلسطين دولة غير عضو فيها في المؤسسات الدولية كما قال د. المالكي.

وهي “نسخة جديدة” ترقى الموافقة عليها إلى مصادقة فلسطينية وعربية على الرسالة التي بعثها الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو. بوش لرئيس وزراء دولة الاحتلال الأسبق آرييل شارون في الشهر الرابع من عام 2004 والتي ضمن فيها عدم عودة الاحتلال إلى حدود 1967 وعدم عودة اللاجئين الفلسطينيين وضم المستعمرات الكبرى إليها، وهو ما يرقى إلى مصادقة كذلك على ضم شرقي القدس حيث توجد هذه المستعمرات “الكبرى”، علما بأن هذه “النسخة الجديدة” قد استندت إلى رؤية أوباما التي أعلنها في أيار 2011 وهي الرؤية التي “تبناها” أوباما “كطريقة لتنفيذ” رسالة بوش لشارون، كما كتب ران داجوني في “غلوبس” العبرية آخر الشهر الماضي.

وكل ذلك وغيره يرقى إلى تنازلات فلسطينية وعربية خطيرة مجانية من دون مقابل، تسوغ “القلق العميق” الذي أعربت عنه حركة حماس إزاء تصريحات “وفد المبادرة العربية للسلام في واشنطن”، ويسوغ كذلك استنكار حركة الجهاد الإسلامي ل”تحول الجامعة العربية إلى مركز أبحاث أميركي” يجدد “التزامه ب(وعد) بلفور عربي” لدولة الاحتلال، كما يسوغ رفض الجبهة الشعبية لهذا التطور الخطير وقولها في بيان أصدرته إن “الشعب الفلسطيني لا ينقصه من يقدم التنازلات باسمه” وإن “أحدا لم يكلف” الوفد العربي “للتبرع بالتنازل عن أراض فلسطينية وهو لا يمتلك الحق” في التنازل عنها!

فلسطين أون لاين | نقولا ناصر | ، 4/5/2013

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قبطان في متاهة!

قبطان في متاهة!

تاريخ النشر : 2018/07/28 يُواصل السيد ...