المقالات

لهون وصّلتونا

لهون وصّلتونا

جمانة حداد

أقود سيارتي. أتأمّل، بريبة وهلع، يسرةً ويُمنةً، في وجوه السائقين الآخرين. كأنّ كلاًّ منهم مشروع إرهابيّ سينفجر في وجهي ويرديني أشلاء. أفكّر: “كيف نستطيع مواصلة العيش على هذا النحو؟”. ثم أتدارك: “هذا ليس عيشاً. إنه زعبرة على الموت”.

أمشي على الطريق. أرى وجوه الناس متجهّمة، لا قدرة للرجل أو للمرأة منهم على الابتسام. لا ألوم أحداً. أنا، أيضاً، لا حَيْل لي على الابتسام. أحاول قدر الإمكان تفادي ما يسمّيه البعض “حياة”، كي لا أفقد عقلي تماماً.

أشرب القهوة في أحد المقاهي. تبادرني سيدة عجوز فتسألني بخفر وحرج إذا كنت أستطيع أن أضيّفها “سندويشاً” لأنها جائعة، ولا تملك المال لتأكل. استحي. أعطيها ورقة العشرين ألفاً. لا أستطيع النظر في عينيها. أشعر أنّي شريكة في الذنب.

أجلس مع إحدى صديقاتي. تكرّ دموعها لأن ابنها الوحيد عاطلٌ من العمل منذ أكثر من ستة أشهر، وقد رفضتْ كلٌّ من السفارة الكندية والأوسترالية والدانماركية إعطاءه فيزا. “بتعرفي حدا بيقدر يظبّطو بشي شغلة؟ حيالله شي!”. لا. لا أعرف أحداً يا صديقتي. كلّ مَنْ أعرف، إما موظّف خائف على وظيفته، وإما ربّ عمل لا يعرف كيف يدفع رواتب عمّاله آخر الشهر.

أستقلّ التاكسي كي أرتاح قليلاً من همّ القيادة. يخبرني السائق أنه أطعم أولاده، أمس، أرغفة من الخبز “الحاف”. “أكتبي عنّي، عنهم”، يقول متوسلاً، ما إن يعرف أني صحافية في “النهار”. ها أنذا أكتب عنك وعن أولادك، يا محمد، فهل يسدّ هذا الكلام جوعهم؟ لا تُجِب، أرجوك. دعني أتوهّم أني استطعتُ شيئاً.

أقرأ “ستاتوسات” الأصدقاء على الـ”فايسبوك”. أشعر بمرارة حامضة في حلقي من فرط تعبيرهم (المُحِقّ) عن يأسهم وخيبتهم وغضبهم وإحباطهم (لي حصّتي الكبيرة في “جريمة النقّ” الفايسبوكية هذه). إلى هذا كلّه، خبرٌ من هنا عن تبرئة زوج رولا يعقوب التي قضت جرّاء ضربه لها، وأخبارٌ من هناك عن مشاريع تفجيرات واغتيالات واشتباكات وداعشيين وهلمّ.

مختصر مفيد: لا ملاذ. لا منفذ. لا مخرج للطوارئ. نحن محاصَرون تماماً، كفئران في مختبر، في حين أن “العلماء” الأجلّاء (أعرفهم وتعرفونهم) يُجرون علينا التجارب ويحاولون مسخنا جنساً بشريّاً جديداً بلا فم يحكي، ولا عين ترى، ولا أذن تسمع، ولا عقل يفكّر. جلّ ما يهمّهم أن تظل لنا الأيدي لنصفّق لهم، والأقدام لنستخدمها للحاق بهم.

قرفُنا، إن هو سوى مرآة لخوائهم.

جمانة حداد | النهار

2014 – كانون الثاني – 27

مقالات ذات صلة