المقالات

سور الصين العظيم وجدران نتنياهو الاسمنتية

سور الصين العظيم وجدران نتنياهو الاسمنتية

بقلم : تيسير خالد – عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية — عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين

10 مايو, 2013

رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو لم يفوت الفرصة خلال زيارته للصين ، فقد قام صباح التاسع من أيار الجاري برفقة زوجته ومرافقيه ، بزيارة سور الصين العظيم . ومن هناك أعلن على لسان أوفير جندلمان المتحدث باسم رئيس الوزراء نتنياهو للإعلام العربي ، أنه تحدث مع الرئيس باراك أوباما ومع الزعماء الصينيين ومع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين كذلك وبحث معهم سلسلة من القضايا الاقليمية والدولية . ومن شدة اعجاب نتنياهو بسور الصين العظيم ، الذي يشاهدة على الطبيعة للمرة الأولى ، فمن المحتمل أن يكون الخيال قد ذهب به بعيدا ليحدث زعماء العالم عن قناعة أكبر بأهمية الأسوار في حفظ الآمن القومي والدفاع عنه . فقد عبر عن ذلك لوسائل الاعلام بالقول على طريقته المعروفة في الديماغوجيا السياسية والتضليل السياسي : ” كما دافع الصينيون عن انفسهم وحصنوا أنفسهم بواسطة السور العظيم ، هكذا سنواصل في اسرائيل تحصين انفسنا في الحدود الجنوبية وفي هضبة الجولان وفي جميع الجهات ”

غريب أمر بنيامين نتنياهو ، فقد سبق لي أن زرت الصين بدعوة رسمية من الحزب الشيوعي الصيني قبل نحو ثلاثين عاما ، ووفر لي الحزب فرصة زيارة سور الصين العظيم في نفس المكان ، الذي عبر فيه نتنياهو عن اعجابه بالسور على هذه الطريقة السخيفة . استمعت في حينه الى شرح مرافقنا الحزبي عن السور ، والذي تقول عنه الرواية الصينية التاريخية ، إن الامبراطور الصيني الأول تشن شي هوانغ قد وحد في القرن الثاني قبل الميلاد الدويلات الصينية وربط الأسوار الحدودية التي كانت قائمة بينها لتصبح سور الصين العظيم. وخلال مئات السنين بعد ذلك تواصل العمل ببناء سور الصين العظيم وترميمه في مختلف العهود حتى امتدّ لآلاف الكيلومترات لحماية الصين من الغزو الخارجي . بالطبع ، فإن ذلك الجانب من تأمين حدود الصين الشمالية من الغزو من الشمال وارد في الرواية الصينية ، غير أن هناك جانب أهم من الرواية الأمنية ، وهو الجانب المتعلق بالرواية في جانبها الحضاري . فالسور من اعاجيب الدنيا السبع ، كما يقولون وهو اطول بناء في التاريخ ومعلم حضاري بارز في التاريخ ، جسد الصينيون من خلاله ذكاء وإبداع الانسان الصيني . ما زلت أذكر أنني كنت وأنا استمع لشرح المرافق الصيني عن السور ، أنه كان يتحدث عن إنجاز حضاري عظيم ، امتدت سنوات العمل فيه مئات السنين ، وأن السور فخر التاريخ الصيني القديم ، كما هي الأهرامات وغيرها من منجزات الحضارة الفرعونية ، فخر التاريخ المصري القديم .

نعود بعد هذا الى انطباعات بنيامين نتنياهو عن سور الصين العظيم والدروس ، التي استخلصها من ذلك الانجاز التاريخي العظيم ، الذي يعتز به الصينيون . نتنياهو قزم السور من انجاز حضاري ابدعه الانسان الصيني على امتداد سنوات طويلة وحوله الى جدران اسمنتية ، لا توجد بينها وبين الحضارة صلة نسب لا من قريب ولا من بعيد . نتنياهو في خياله المثقل بالاوهام والاحلام والاساطير ، أراد التشبه بانجاز حضاري عظيم على طريقته ، فوجه بذلك إهانة بالغة لتراث الشعب الصيني وانجازاته الحضارية العظيمة . سور الصين العظيم ليس جدرانا اسمنتية تثير غضب من يشاهدها ، سور الصين العظيم معلم حضاري يجذب ملايين البشر لزيارته ، تماما كما هي أهرامات الفراعنه وشواهد حضارة مصر القديمة ، أما جدران نتنياهو الاسمنتية ، فإنها شواهد على ” حضارة ” رثة وخيال عنصري مريض ، شواهد جلبت وسوف تجلب المزيد من الكراهية للممارسات اسرائيلية ولدولة ، اعتادت أن توظف الحديث عن الأمن كأداة من أدوات السياسة العدوانية الاستيطانية التوسعية لدولة اسرائيل . لقد ذهلت وأنا اتابع اهتمامات نتنياهو بالأمن من بوابة انطباعاته عن سور الصين العظيم ، ولكنني في الوقت نفسه ازددت قناعة بأن هناك في اسرائيل قيادات سياسية قاماتها تبقى بمستوى العشب عندما تحاول توظيف حتى سور الصين العظيم في خدمة اوهامها السخيفة . سور الصين معلم بارز ومهم من معالم الحضارة البشرية ومحط أنظار ملايين من البشر ، أما أسوار نتنياهو فلا تعدو ان تكون من معالم ” حضارة ” رثة ، تطاردها لعنة محكمة العدل الدولية والشرعية الدولية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى