ترامب، اسرائيل والقضية الفلسطينيه

ترامب، اسرائيل والقضية الفلسطينيه

رائف حسين- المانيا

في التقييم الموضوعي لتصريحات سياسي بوزن الرئيس الامريكي وبالتحليل السياسي لهذه التصريحات علينا ان نفرق بين ما هو للاستهلاك الإعلامي، وهو بالعاده خطاب شعبوي، وبين ما هو بقيمة الخطاب الاستراتيجي الذي منه نستطيع تحليل وقرائة ما يصبو اليه وما يريد فعلاً تحقيقه.

قبل ان أخوض الان في تحليل تصريحات ترامب بخصوص القضيه الفلسطينيه وبخصوص دولة الاحتلال الصهيوني – اسرائيل – لا بد من ملاحظات عامه تخص الخطاب والتقييم العربيين للدائرة الاوسع التي تتعلق بإسرائيل واليهود بالعالم من جهة وخصوصاً بالامريكان من اتباع الديانة اليهوديه.

أولاً بالخطاب العربي وخصوصاً الفلسطيني الرسمي والاعلامي يتم، عن قصد او عن غير قصد، استعمال الكنيات: يهودي، اسرائيلي وصهيوني على انها كلمات مرادفه؛ هدا الخطأ الجسيم يدفع الشعب الفلسطيني ثمنه منذ حوالي قرن من الزمن وهذا الثمن غالي جداً، دون مردود يذكر.. منذ بداية الصراع الصهيوني الفلسطيني والصهيوني العربي ( ليس كل العرب، قسم من العرب كان منذ البداية وما زال صديق داعماً راعياً للحركة الصهيونيه ومشروعها الكولونيالي في الشرق الاوسط) والحركة الصهيونيه تحاول إثبات ماهو انثروبولوجياً اصلاً غير موجود، كما اثبته البروفسور الاسرائيلي شلومو زاند، وهو مقولة ان هنالك شعب يهودي!

باختصار علينا ان ندرك ان ليس كل يهودي هو صهيوني، وليس كل اسرائيلي هو يهودي او صهيوني، وليس كل صهيوني هو اسرائيلي او يهودي.. هذا الدياليكتك يجب ان يرسخ عميقاً في عقولنا ووعينا لكي لا نقع في الفخ الذي تنصبه الحركة الصهيونية للعالم منذ تأسيسها وبالتحديد منذ اغتصابها لارض الشعب الفلسطيني.

ثانياً علينا نحن ابناء الشعب الفلسطيني وأبناء الأمة العربيه من مواطنين عاديين ومن سياسيين وإعلاميين واكادميين ان نتعلم التعامل والتوجه الى اتباع الديانة اليهودية في العالم على انهم مواطني دولهم بالدرجة الاولى: هم ألمان وروس وفرنسيون وهنغاريون ومغاربة وهنود الخ.. وبالدرجة الثانيه ديانتهم يهودية… هم كأشخاص وجالياتهم اليهوديه، كلهم، ليسو بممثلين للدولة الصهيونية.. التوجه لليهود خارج الكيان الصهيوني، حتى لو كانو مؤيدين وداعميه للدولة الصهيونيه، على انهم كلهم كتلة متجانسة هو خدمة مجانية نقوم بها للحركة الصهيونيه وعلينا الكف عن النفخ بهذا البوق السيء.

ثالثاً اتباع الديانة اليهوديه في أمريكا ليس كلهم داعمون للدولة الصهيونيه ولسياساتها العنصرية تجاه الشعب العربي الفلسطيني. ثلثهم ، حسب احصائيات ودراسات مختلفه، يؤيدون ويدعمون الدولة الصهيونيه وثلثهم الثاني ليس فقط معارض وغير داعم لإسرائيل بل قسم كبير منهم معادي للدولة الصهيونيه وفكرها وممارساتها الكولونيالية في فلسطين واستغلال المحرقة والمصيبة اليهودية للدعاية الصهيونية التي تتعارض اصلاً مع الفكر الديني اليهودي.. والثلث الثالث لا تربطه أية علاقه بكلا الطرفيين. فالكلام عن “لوبي يهودي” بامريكا هو خطأ فادح وخدمة للصهاينة.. نعم هنالك لوبي صهيوني بامريكا أكثريته ليس من اتباع الديانة اليهودية وهو يخدم الحدركة الصهيونيه كما يقوم المتصهينون العرب والمتصهينون الأوروبيون بخدمة كيانهم.

وعوده بنا الى سياسة ترامب وبما يخص القضية الفلسطينيه مباشرة لم يتفوه الرئيس الامريكي حتى هذه اللحظه بشيء نستطيع وضعه في خانة الاستراتيجيه. تصريحاته في الحملة الانتخابيه حول نقل السفارة الامريكيه من تل ابيب الى القدس، والذي عاد ونطق به اثناء زيارة نتنياهو الاخيرة للبيت الأبيض، قام ترامب بأحالة هذا الملف الى المؤسسات المعنيه بالإدارة الامريكيه لدراسته.. بكلمات اخرى وضع هذا الملف بالأدوار الى زمن غير معروف.. اي ان هذه التصريحات هي فقط للاستهلاك الإعلامي والعنجهيه ليس الا.. وكنت قد تطرقت الى هذا الامر في مقال سابق وأسهبت بالتحليل وتقييم هذه الخطوة.

ذهب نتانياهو الى البيت الأبيض وهو على يقين والمؤسسة الامريكية وترامب شخصياً على يقين ايضاً، ان اسرائيل أصبحت، بعد حروبها الفاشلة على غزة وعدوانها سنة ٢٠٠٦ على لبنان وانهزامها اما المقاومة اللبنانية، عاجزة عن خوض الحروب وهي ايضاً عاجزة عن صنع السلام… اسرائيل أصبحت كيان ضعيف ركيك وتماسكه الداخلي السياسي والاجتماعي مضمون فقط بوجود الصراع مع الشعب الفلسطيني وحلف المقاومة. في علم السياسة يُعّٓرٓف هذا الضعف ويحدد أركانه بازدياد قوة القوى الراديكالية العنصرية الداخلية.. وهذا الحال الذي نراقبه منذ سنوات بإسرائيل.. نتانياهو اراد من لقاء ترامب ان يؤكد له بالبيت الأبيض دعم ترامب والمؤسسة الامريكيه له شخصياً ليستطيع الحفاظ على عرشه وعلى ائتلافه الحكومي الذي بدأ يتصدّع.. هو اراد هذا الدعم ليستطيع منافسة الحركات العنصرية في ائتلافه الحكومي وخصوصاً نفتالي بينت!

اكثر المعلقون والمحللون العرب والفلسطينيون وأسهبوا في تحليل تصريحات ترامب حول انتهاء حل الدولتين وتصريحاته بان الاستيطان الصهيوني في فلسطين المحتلة ليس عائقاً امام السلام مع الشعب الفلسطيني. الأكثرية الساحقة من الزملاء رأوْا بهذه التصريحات استراتيجية أمريكية جديدة تجاه القضية الفلسطينية واستراتيجية جديدة في دعم اسرائيل. انا شخصياً أعارض هذه القراءة ولا ارى جديداً في تصريحات ترامب… الجديد هو فقط ان أقوال ترامب لم تعد قابلة للتأويل وتصريحاته تكشف الوجه الحقيقي للسياسات الامريكية تجاة القضية الفلسطينيه وإسرائيل دون التباس. تصريحات ترامب هي رسالة واضحه لعرب أمريكا وفلسطينيي أمريكا ان زمن التصيّد بالمياه العكرة والتعويل على ان أمريكا تريد حل عادلا للقضية الفلسطينيه وللشرق الاوسط قد انتهى… فهل هم سيفهمون الرسالة؟؟

السؤال الذي اطرحه على الزملاء من محللين وسياسيين الذين رأوْا جديداً في خطاب ترامب بعد لقاءه نتانياهو: هل تخلت أمريكا اصلا يوماً ما عن دعمها الغير مشروط لإسرائيل؟

حتى لا اعيدكم بعيداً بالتاريخ اكتفي بالاشارة الى سياسة الرؤساء الأمريكيين الثلاثة الذين سبقوا ترامب وتزعموا أمريكا بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وبدأ مشروع العولمة الامريكية والغطرسة الامريكية في العالم.. الرؤساء كلينتون وبوش الابن واوباما كلهم قدموا الغالي والرخيص لإسرائيل من مال وأسلحة ودعم سياسي ومعنوي.. هم من حمى اسرائيل ومشروعها الاستيطاني الكولونيالي من الادانه في مجلس الأمن ومن لجان التحقيق في جرائمها ضد البشرية في حروبها على الشعب الفلسطيني والشعب اللبناني الشقيق ومن محاولات مقاطعة اسرائيل لمعاقبتها على احتلالها واتضهادها لحقوق الانسان الفلسطيني في فلسطين المحتلة.. القرار الاخير الذي مرره اوباما في اخر أيامه بالبيض الأيض لإدانة الاستيطان الصهيوني هو قرار أشبه بورقة التوت بعد ان دعم هذا الاستيطان بسكوته عليه حوالي ثمانية سنوات. استراتيجية الرؤساء الأمريكان الثلاثة يمكن اختصاره بمعادلة واحدة: انتم الاسرائليون استمروا بمشرعكم الكولونيالي في فلسطين المحتله وتعاملوا معنا بليونة لاقناع العرب والفلسطينيين بكذبة المفاوضات.. الاستراتيجية التي نجحت كانت اعمدتها جر الأكثرية العربية الى مفاوضات عقيمة طويلة دون جدوى لتحييدها عن خيار المقاومة، هذا ان كان مثل هذا الامر مطروحاً يوما ما!، وبنفس الوقت العمل على تحييد الطبقة الوسطى الفلسطينيه وابعادها عن حلقة المقاومة بربطها اقتصادياً بمشروع السلطة الفلسطينيه… وهذا ما حدث؛ الان يعمل بالسلطة الفلسطينيه حوالي 150 الف موظف، اي اننا نتكلم هنا عن اكثر من مليون فلسطيني، اخذين بعين الاعتبار عائلات الموظفين وأقربائهم، الذين أصبح قوتهم اليومي مرتبط بمعاشهم من السلطة واستمرارها وبهذا أصبحوا خارج إطار الانخراط في المواجهه الحقيقية مع العدو المحتل. نعم فقط بهذا السياق نفهم الدعم المالي السخي الذي تقدمه الولايات المتحدة وعربها الشرق أوسطيين للسلطة لاستمرارها في مشروع المفاوضات العقيم..

في النهاية اود ان اذهب ابعد من ذلك لاقول ان تصريحات ترامب بعد لقائه مع ترامب سوف تزيد من ازمة اسرائيل وسياساتها العنصريه واستند بتحليلك هذا الى قرائتي لهذه التصريحات بتمعن ومقارنته بما صرحت به هليري كلينتون سنة 2010 امام المؤتمر السنوي للوبي الصهيوني الامريكي AIPAC . في خطابه امام المؤتمر إشارة وزيرة الخارجية السابقة الى ازمة السياسة الإسرائيلية محذرة ان التغاضي عن النقاط التالية سوف يؤدي الى زعزعة اسرائيل وعلى قياداتها وخصوصاً رئيس حكومتها، آنذاك ايضاً نتانياهو، بالانتباه لهذه الملاحظات وطالبت المؤسسة الامريكية الضغط على نتانياهو.. آنذاك ومباشرة بعد خطاب هليري كلينتون سارع اوباما لطمأنة نتانياهو بانه لن يقوم باي ضغط على حكومة اسرائيل لتغيير استراتيجيتها.. كلينتون قالت:

أولاً سيل المهاجرون اليهود من العالم الى اسرائيل قد قارب ان ينقطع وان هذا ” النبع الديمغرافي” لمواجهة ” القنبلة الديمغرافية الفلسطينية” ان ضمت اسرائيل الضفة الغربية لها، اضمحل وقارب ان يجف نهائياً… الوضع منذ خطاب كلينتون لم يتغير بل تفاقم… عدد المهاجرون اليهود من اسرائيل للخارج اصبح اكثر من القادمون لها.. وان اخذنا بعين الاعتبار نوعية البشر القادمون لاسوائيل ونوعية المهاجرون منها لازدياد هذا التفاقم بالمفهوم البنيوي الاستراتيجي لإسرائيل … هنا اطرح السؤال ماذا سيفعل ترامب تجاه هذا الامر ما لم يفعله من قبله الرؤساء الآخرون؟

ثانياً اسرائيل موجودة في غابة من الصواريخ تحيط بها.. وهي تقصد صواريخ المقاومة الفلسطينية واللبنانية وإيران .. منذ هذا التصريح وقوة المقاومة الصاروخية، باعتراف مراكز الدراسات الاستراتيجية الاسرائيلية والغربية والأمريكية، بازدياد… بوش واوباما زودوا اسرائيل ببطاريا الصواريخ المضادة باتريوت.. والتي، باعتراف اسرائيلي عسكري، لن تستطيع لصد كل هجوم صاروخي عليه، لماذا اذا سوف يقدم ترامب لإسرائيل امثر من ذلك؟ هل بحوزته سلاح اخر؟ بالطبع لا

ثالثاً قالت كلينتون ان حلف الاعتدال العربي الذي قبل بالدخول بمفاوضات سلام وتطبيع مع اسرائيل يضعف يوماً بعد يوم وهم لم يستطع، بسببب التعنت الاسرائيلي، من ان يقدم اي إنجاز لشعوبه وللشعب الفلسطيني… هذا النتكاس بحلف الاعتدال العربي تفاقم منذ بداية ما يسمى بالربيع العربي والجواب الاسرائيلي على هذا الاعتدال كان بثلث حروب على غزه وحرب على لبنان والمشاركة في الحرب على سوريا.. إفلاسهم اصبح هويتهم… والآن يأتي ترامب ويصرح بانه سينقل سفارته الى القدس وان حل الدولتين انتهى.. اي انه يزيد انتكاسهم تفاقماً ويأجرك ازمتهم ..

رابعاً قالت هليري كلينتون اما المجتمعين ان حلف المقاومة يزداد قوة ومصداقية امام شعوبه وامام الشعب الفلسطيني يزداد يوم بعد يوم … وكلنا شاهد على هذا النجاح لحلف المقاومة وتزايد قوته وصموده وعزمه اذا هنا اطرح السؤال مرة اخرى ماذا سيفعل ترامب تجاه هذا الامر ما لم يفعله من قبله الرؤساء الآخرون! وهم الذي صرح مراراً ان حروب الرؤساء الثلاثه في افغانستان والعراق وليبيا لم تأتي بشيء لامريكا غير زيادة لقوة الارهاب وزيادة لقوة التكفيريين!

وهذا التصريح الاخير لترامب وتقييمه لحروب أمريكا بالشرق هو الاستراتيجية الجديدة التي تفوه بها ترامب حتى الان… بما معناه نقرأ ان أمريكا لن تخوض حروباً مثل تلك وان زمن استراتيجية تغيير أنظمة الحكم بالقوة التي تبناه الرؤساء الثلاثة من قبله قد فشلت ولا عوده لمثل هذه الاستراتيجية… ترامب العنصري العنجهي تسمح له المؤسسة الامريكية التي اتت به بالتلميح بالقوه والحروب المخاباراتيه ، لكنها وضعت استراتيجية اللاحرب من اجل احد ولا حرب من اجل اسرائيل بعد… هذا هو الجديد في خطاب ترامب ليس الا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق