من الثورة إلى الانتفاضة

من الثورة إلى الانتفاضة

تسفي بارئيل

على صفحات الفيس بوك لحركات المعارضة في مصر سجلت المسارات التي سيتحرك فيها المتظاهرون. كما توفر عنوان مناسب للمظاهرات التي عقدت يوم الجمعة: “جمعة الخلاص والنهاية”، والمقصود الخلاص من نظام الاخوان المسلمين. وهذا بالمناسبة كان ايضا اسم يوم الجمعة 4 شباط 2011 قبل اسبوع من سقوط مبارك. وقد وعد الالاف بالمشاركة في مظاهرات يوم الجمعة، ووزعت اليافطات التي سترفع فيها شعارات الثورة مع فارق صغير هو العنوان: “الشعب يريد اسقاط النظام”، “يا مرسي ارحل” و “كفى لحكم الاخوان المسلمين”.

الرئيس محمد مرسي، الذي عاد من المانيا مؤخرا بعد ان اختصر زيارته، وجد نفسه قبل بضعة ايام من ذلك يغرق في دماء عشرات القتلى ومئات الجرحى – في اشتباكات يوم الذكرى الثانية للثورة والاضطرابات التي اندلعت بعد اصدار الحكم في قضي مأساوية اخرى. فقد حكمت المحكمة بالاعدام على 21 من اصل نحو 70 متهما بالمشاركة في الاضطرابات التي وقعت السنة الماضية في بور سعيد بعد مباراة كرة القدم.

المسؤولية هذه المرة ملقاة على مرسي. فهي ليست مسؤولية مبارك أو مسؤولية الشرطة ولا مسؤولية الجيش الذي حافظ حتى بداية الاسبوع على صده. النسيج السياسي الذي أعده الرئيس المصري حديث العهد بجهد أعلى، بدأ يتفكك بسرعة: الدستور المصري الذي اعد على عجل يقف مرة اخرى امام الاختبار تحت الضغط ومرسي أعلن منذ الان بانه مستعد لادخال تعديلات عليه؛ الحكومة الجديدة التي عينها برئاسة هشام قنديل، قد تستقيل أو تقال؛ والان الجيش ايضا اطلق رصاصة تحذير. “الصراع السياسي يدفع مصر الى حافة الانهيار”، حذر يوم الثلاثاء وزير الدفاع عبدالفتاح السيسي، الذي عينه مرسي. قوات السيسي انتشرت هذا الاسبوع قرب منشآت حيوية على طول قناة السويس وكثفت منظومة الحراسة على سد اسوان بعد أن أحرق المتظاهرون في مدن الاسماعيلية وجنوب الدولة محطات شرطة وفروع لحركة الاخوان المسلمين، وهددوا بالسيطرة حتى على المواقع الاستراتيجية.

لقد انتقلت مصر هذا الاسبوع من الثورة الى الانتفاضة وكان في الدولة من قدر بان الجيش يوشك على العودة لاستلام السلطة. هذا لم يحصل، حاليا. ورغم القتل، الاشتباكات، المظاهرات والاعتصامات، فان الخلاف كفيل بان يجد لنفسه حلولا سياسية. حركات المعارضة، الرئيس مرسي، الجيش وحركة الاخوان المسلمين موحدون في الفهم والقلق من التفكك الفوري للحكم والذي قد يدهور مصر الى حرب أهلية. تعبير على هذا الخوف يبدو في موافقة الفصائل المختلفة، بمن فيهم الاخوان المسلمون ومعارضوهم من جبهة الانقاذ الوطنية، على اللقاء والتوقيع على وثيقة مشتركة تشجب العنف.

الهدف: البرلمان

مرسي، مثلما في الازمات السابقة، التي الغى فيها قراراته الرئاسية، تلك التي أثارت العاصفة الهائلة في شهر كانون الاول، بدأ الان ايضا يسير الى الوراء. فقد أعلن منذ الان بان ساعات حظر التجول التي فرضت على المدن الكبرى ستقلص ومنح صلاحيات القرار بشأن تقليصها الى المحافظين. وعلى أي حال، فحظر التجول لم يطبق حقا وقوات الشرطة لم تطلق النار على من خرقه. كما وافق مرسي على تغيير مواد الدستور موضع الخلاف، وان كان ليس في هذا جديد كبير. فلجنة مشتركة لقسم من المعارضة ومستشاريه تشكلت بعد اضطرابات كانون الاول اتفقت على سلسلة من التعديلات سيقرها البرلمان الجديد.

ولكن كتلة المعارضة الكتلة، المسماة “جبهة الانقاذ الوطني”، والتي يترأسها عمرو موسى، حمدي صباحي الناصري – ممن تنافسا على الرئاسة – ود. محمد البرادعي، لم يعودوا يكتفون بالوعود. من ناحيتهم، الصراع الهام هو على البرلمان، هدف خسر فيه الليبراليون والعلمانيون في الانتخابات السابقة التي جرت في بداية 2012. في تلك الانتخابات اجترف تحالف حزب الحرية والعدالة للاخوان المسلمين – الى جانب حركات اخرى، بعضها علمانية، نحو 47 في المائة من الاصوات. نتائج تلك الانتخابات، التي الغتها المحكمة الدستورية سبب خرق قانون الانتخابات، منحت الحركات العلمانية فرصة جديدة. وتبدو هذه واقعية اكثر من اي وقت مضى بعد ان أبدى الاخوان المسملون فشلا ذريعا في ادارة شؤون الدولة في الاشهر السبعة من ولاية مرسي. “الرئيس مرسي ليس هنا وليس لديه فكرة عما يجري. القى أمامنا خطابا بلغة بعيدة تماما عن الواقع، وكأنه يعيش في عالم آخر”، قال الكاتب الشهير، رجل اليسار، صنع الله ابراهيم. “هو يتحمل المسؤولية عن كل الدم الذي يسفك كل يوم على أرض مصر”. مرسي، كما يهاجمونه في المعارضة، يعمل بتعليمات المرشد العام، محمد بديع، زعيم الاخوان المسلمين، بدلا من أن يتصرف كرئيس. لقد حاول مرسي هذا الاسبوع ان يستخدم مرة اخرى الصيغة المعتادة وأن يجري حوارا وطنيا مع المعارضة. ومثلما في الازمة السابقة، جاء بعضهم الى المداولات، ولكن جبهة الانقاذ التي تملي الخط الكفاحي، تغيبت عنه.

يوم الاربعاء فاجأ قادة الجبهة عندما عقدوا نقاشا عاجلا بالذات مع قادة الحركة السلفية، النور، التي تعتبر عدوهم الايديولوجي. وفي المؤتمر الصحفي الذي عقدته الحركات جاء أنها اتفقت على اقامة حكومة وحدة وطنية، المطالبة باقالة النائب العام طلعت ابراهيم، وبعدها فقط الشروع في الحوار الوطني. “رغم أننا من التيار الاسلامي، فالمصلحة الوطنية ووحدة الامة استدعت هذا اللقاء”، شرح زعيم النور، د. يونس محي.

مصلحة الامة هامة بلا شك، ولكن هذه ايضا فرصة الحركة السلفية لتصفية الحساب مع الاخوان المسلمين الذين رفضوا ان يقيموا معهم ائتلافا بعد الانتخابات للبرلمان. والاهم من ذلك هو أنه اذا فقد الاخوان المسلمون حقا من قوتهم في الانتخابات القادمة للبرلمان، وانتصر العلمانيون، فمن الافضل منذ الان أن يبنوا علاقات طيبة معهم ليكونوا لسان الميزان في كل ائتلاف مستقبلي. نعم، يبدو معروفا للاذن الاسرائيلية، ومن هنا ايضا التقديرات بان هذه الحسابات السياسية قد تكون ايضا الحل للازمة السياسية الحالية. وذلك لانه فضلا عن اقامة حكومة وحدة وطنية، واقالة النائب العام تطالب المعارضة بتجميد الدستور الذي اقر في استفتاء شعبي في 22 كانون الاول، التحقيق والتقديم الى المحاكمة للمسؤولين عن موت المواطنين في المظهرات الاخيرة وبالاساس تغيير قانون الانتخابات.

المادة التي تقلق على نحو خاص الاحزاب العلمانية هي تلك التي تفصل شكل تقسيم مصر الى محافظات انتخابية جديدة، ومن شأنها أن تمنح أفضلية لقوائم الاخوان المسلمين. في قانون الانتخابات ادرجت أيضا مادة بموجبها يمكن للمرء ان يتنافس في قائمة وبعد الانتخابات ان ينتقل الى حزب آخر. هذه مادة قابلة للانفجار يمكنها أن تستغل من الاخوان المسلمين بعد الانتخابات. وفي هذه الاثناء يبدو ان الاخوان المسلمين ايضا فهموا بان القانون، الذي تراجعه الان المحكمة الدستورية، قد يدفع المعارضة الى المتاريس. ومن المتوقع لهذا ان يكون التراجع السياسي الاخر لمرسي، والكفيل بان ينقذه من الازمة ويمنع مطلب الانتخابات الرئاسية المبكرة.

الاخوان المسلمون الذين كانوا رمزا للثورة ضد النظام السابق “ابتلعوا لقمة كبيرة جدا واعتقدوا انه سيكون بوسعهم ان يسيطروا على كل قطاعات الحكم”، كتب هذا الاسبوع محلل مصري. ويذكر المحلل ان مرسي فاز بالاجمال بـ 51.7 في المائة من الاصوات في الجولة الثانية من الانتخابات، 3 في المائة فقط اكثر من منافسه احمد شفيق، الذي لم يصوت الكثير من العلمانيين له لانه اعتبر رجل النظام السابق. واذا كان الاخوان يختنقون أم لا فسيكون ممكنا قول هذا في الايام القادمة. ولعل مرسي ليس خبيرا في ادارة دولة، ولكنه خبير في الوساطة وفي المفاوضات منذ كان مطاردا من نظام مبارك. وهو يعرف كيف يلقي خطابات طويلة واحيانا عدوانية، ولكنه اثبت ايضا بانه عند الحاجة يعرف كيف ينسحب.

هآرتس 3/2/2013

وكالة سما الإخبارية، 3/2/2013

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق