في لقاء ثقافي تلفزيوني عبد العال || غزة جديرة بفعل إبداعي يضيف للحكايه الفلسطينية التي لا زالت تكتبها

خلال لقاء ثقافي هام لمسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان، والكاتب والروائي مروان عبد العال، ضمن البرنامج الثقافي “على زناد الكلمة” الذي تبثه قناة القدس الفضائية، (حول العدوان على غزة والتفاعل الأدبي) وجه التحية إلى الذين خطوا بدمائهم أجمل قصيدة وكتبوا رواية على رمال غزة، وخاصة الذين تحصنوا بأضلاعهم، واحتضنوا أرضهم ورملهم وقاتلوا خلال خمسين يوماً ويوم. ووصف تلك اللحظات الهامة بقوله : لم تمر علينا ايام عادية كانت الحياة تسير على الخبر العاجل بوتيرة الالم والامل ولكن بأبهى ملحمة بطولية، مؤكداً على أننا عشنا الحرب بتفاصيلها ومفرداتها وأحرفها، كل شهيد يسقط يتسرب من أنفاسنا ومن دمنا، نخفق مع لحظة الخوف ونكتوي بلحظة الرعب ونصفق مع لحظة الكرامة ، ننحنى بخشوع لكل الذين رفعوا رؤوسنا على مدار كل أيام غزة وساعات المقاومة ووقفة الكرامة ونبض العزة الفلسطينية. وقال: لا أنظر للأدب على أنه مسألة إعلامية أو موسمية بل كنت ولا زلت اعتبره الجزء الأصيل من المقاومة ومن مكونات القوة في الصراع الشامل، وبالتالي عندما نرى كيف تسير الحياة بظروف استثنائية ولا يمكن أن تشاهدها أو تلتقطها في ظروف طبيعية، كيف لك ان تعثر في قبح الحرب عن الحب؟ او يمكنك ان تجد قيم جمالية بمستوى الفرح وسط ضجيج القصف والدمار وان تخرج من بشاعتها صورة حفل الزفاف الذي أقيم داخل مدرسة في غزة في مدرسة للأونروا والعروس زُفّت بسيارة تابعة للأونروا، ما يدل على الإصرار على مراوغة الحزن وممارسة ما هو متاح من الفرح النسبي . وحتى هناك أمثلة ارتبطت بأبداع طفولتي، فأطفال غزة كانوا يبدعون ألعابهم ولم يتخلوا عنها أثناء الحرب وتفاجأت بأن لعبتهم استعادة طفولتي الخاصة مثل حزورة حول إن كان الصاروخ من عندهم أو من عند العدو “طالع ولاّ نازل “، ونحن عشنا مثل هذه الطفولة ذات مخيم وذات زمن وذات حرب، يمكن تسميتها بطفولة عامة من ذاكرة جماعية، هكذا رغم الشتات والتمزق واختلاف الامكنة والزمنة إلا ان المشترك يتحكم في تصرفات وألعاب وعبث الأطفال الفلسطينيين، في الحرب قد تجد طفلاً يبكي لسبب لا يخطر ببالك، لأنه فلسطيني قد يكون يبكي ليس خوفاً من الحرب والصواريخ والنزوح، بل ربما يبكي لأنه ترك العصفور بلا طعام فمن سيطعمه بعده، وهذا حصل واقعا. في هذا المنحى أحاول أن أستعيد مسائل لها علاقة بالشخصية الفلسطينية، لأن هذه الشخصية تتعرض دائماً من قبل الأدب الصهيوني للتزييف وللتهميش لإخراجها من مضمونها وذاكرتها، ويحاول تصوير الطفل الفلسطيني بالخائف والجبان حتى الذي يخاف من التلقيح ضد أي المرض كما ظهر في روايات أدبية صهيونية، بينما يظهرون الطفل اليهودي شجاعاً ولا يخاف من شيء. هذه أكذوبة صريحة للواقع لخدعة القارئ، بل تهدف لبناء ثقافة الاستعلاء والوعي العنصري المزيف.

وتابع: أشكر من كان يتنفس أثناء الحرب ليرسل لي نكتة أو طرفة اعتبرتها ابجديات غزة، احدهم يرويها ويضحك ويعلق “لا تستغرب هذا لا يحدث الا في غزة “، أن تميل الكنّة نحو امرأة ابنها وبين الحشود في مركز أيواء وتهمس لها “هيا شدي حيلك واحبلي ، الدنيا يا عمتي على كف عفريت ” نعم عليك ان تدرك ماذا يعني ان يولد في الحرب أكثر من 4000 طفل في غزة ، الطفل هو اصرار على الحياة ، فنحن نعشق الموت من أجل الحياة، ونريد أن نحيا على هذه الأرض. دائما أكون في حالة كتابة رواية وكم احتاج للقاء بغزة أقول اللقاء الواقعي وليس زيارة اعتبارية رغم أحساسي بأن رمزيتها الانسانية ستكون استثنائية كأحتضان أجمل الامهات لابن غائب ، وهي حاضرة سردا في أغلب رواياتي ، أما الآن فهي حركت في نفسي بركان أمومي يستعد لصياغة رواية فلسطينية بامتياز، علها تكتب مرحلة جديدة، قلت هي بحاجة لأبداع سياسي يصيغ المشروع الفلسطيني، غزة جديرة بأبداع لا يكرر بل يضيف الى الحكايه الفلسطينية لا زالت تكتبها، وهذه المرحلة أسست لها غزة خاصة بالمعركة الأخيرة، وهناك أشياء جديدة في الرواية لأن رواية غزة هي فعل حرية وفعل مقاومة. فالوطن هو صرخة الآه الفلسطينية العميقة لنا، وهو جنة بالنسبة للكاتب، والمسألة متعلقة بمعنى الوطن وليس بثلاثة أحرف لأن الوطن غاية نبيلة تستحق التضحية بالنفس ، والأدب هو ربط بين الإنسان وبين هذه الغاية، وأقصد ان يكون أدبا مقاوما كما أن فعل المقاومة هو أدب مبدع في صناعة الحلم، لذلك فان الأدب بحق هو علم جمال المقاومة. والمقاومة مستندة لقوة مصدرها الاثمن هو الإرادة، والمعركة التي تشن على الفلسطيني هي لأحتلال هذه الإرادة والتي تتلخص بالوعي والمعرفة والقناعة، وبوجود المقاومة كحالة توليد مستمر للهوية وتجلياتها، تصبح بالنسبة للانسان هي أثمن راسمال اخلاقي ومعنوي ووجودي .

كما قال: نحن ننتمي لهوية ثقافية تأبى صيغة الفكر الجاهز والمعلب والمحدد مسبقا، وإحدى مهمات الثقافة القتال على جبهة الوعي داخل مجتمعنا والمرتبط بمجتمعنا، ولكن في الوقت نفسه يستفيد من الحداثة والكونية ليقوم بمهة اكثر مشقة عبر تقديم القضية الفلسطينية للعالم وهذه مسالة مهمة جداً. وهي معركة فكرية شاملة أدبا وفنا وتقافة يجب عدم النكوص في خوض غمارها.

وأضاف: هناك مقاربات هامة جداً، فمثلا في بروكسل يوجد تمثال وعليه طائرة حربية محطمة، وعندما سألت عنه قالوا لي: إن أحد الطيارين بعدما فرغت ذخيرته هجم بطائرته الحربية انتحاريا ضد النازيين وهو مقدس ومخلد في ذاكرتهم، لذلك كيف تدان العمليات الاستشهادية وهم من مارسها كفعل مقاوم اضطراري لتحرير بلادهم؟ وهذه المقاربة تنطبق أيضاً على قرية “غارنيكا ” التي سحلت على أيدي الفاشيست في إسبانيا فخلدها بيكاسو بجداريته الرائعة ، وبين غزة التي قلت عنها “غارنيكا “على جبين البلاد، وحتى إيفان نفسه لما يؤخذ الفلسطيني كرهينة للأسم وهو يطرح سؤال الهوية، التي هي هو جزء من الأدب الإسرائيلي الهادف الى شيطنة الإنسان الفلسطيني. الحرب على غزة كانت تلغي سجلات عائلية كاملة، وهي برسم الضمير العالمي وكنا نتساءل هل هناك أخلاق في العالم تقبل طائرات العدو أن تبيد هذه العائلات؟ إذا كان مقاوم يحمل اسم هذه العائلة فتقتص منها كاملة، وهذه جريمة بحق الإنسانية، وليست فقط جريمة حرب وهذا يجب أن يكون جزءاً من معركة أكبر على الصعيد الدولي لتعرية الوجه الحقيقي “لإسرائيل” وهي دولة قاتلة ومارقة ومتوحشة. وإن هدف إسرائيل ضرب الحاضة الرئيسية للمقاومة، تجفيف البحر الذي تسبح فيه المقاومة وتتنفس وتعيش، حرق وتدمير البيئة الحاضنة، ضرعا وحجرا وبشرا ، بيئة وطنية واجتماعية وشعبية، ولذلك استهدفت المؤسسات سواء كانت دولية أو دينية والمدنية كالمساجد والمؤسسات والمدارس وبالتالي هي ضرب الوعاء الذي يربو فيه المقاومة والكفاح والتمرد. شعارات الانظمة الرسمية واللغة السياسة التقليدية لازالت بعيده عن استيعاب مغزى الشهادة ولكن وحدها الاقلام الملتزمة تعرفها لانها تكتب بمداد الدم وحبر بلون لا يشبه سوى راية ودم وغضب المقاومة . وختم : على العدو ان يقطع الامل، وآن الآوان ان يصاب باليأس، وعليه أن يعترف بأنه لن يستطيع أن يقضي على جذوة الحرية في شعب عنده أمثال الجعبري وجيفارا غزة وما بينهما غسان كنفاني الذي يضيء دماء كل الشهداء.

المكتب الإعلامي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – لبنان، بيروت

21/9/2014

الوسوم

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق