ماهر السيف اليمانيّ

30.03.2019

كتب: خالد اليماني

في الخامسة من عمري، وفي منزل ضمير ثورتنا أحمد اليماني في بيروت، أذكرُني محمولًا بين ذراعيْ فدائيٍّ خرج لتوّه من السجن اليونانيّ سنة 1970، بعد عمليّةٍ بطوليّةٍ نفّذها ضدّ طائرة

خالد اليماني
خالد اليماني

“صهيونيّة”، تطبيقًا لشعار وديع حدّاد: “وراء العدوّ في كلّ مكان.”

كان ذلك الفدائيّ هو عمّي ماهر اليماني. وقتَها، أحسسْتُ بأنّ مَن يحملُني جبلٌ يبلغ عنانَ السماء. ومع مرور السنين، تكشّفتْ أمام ناظريّ محطّاتٌ ازدادَ فيها ذلك اليمانيُّ شموخًا ومقاومةً وتألّقًا: بدءًا بدفاعه عن شعبنا في الأردن، ومرورًا بتصدّيه لاجتياح “العدوّ” لبنانَ سنة ١٩٧٨، ووصولًا إلى مشاركته في الدفاع عن بيروت خلال اجتياح العام ١٩٨٢، وما بعد ذلك ممّا سنتركه للتاريخ كي يَكشف فصولًا ما زالت مخفيّةً من مقاومة هذا الفدائيّ الاستثنائيّ.

على أنّ عمّي ماهر كان يَعتبر أنّ ما قام ويقوم به أمرٌ “عاديّ” تجاه شعبه. ولعلّ ذلك يعود إلى كونه سليلَ تراثٍ يمانيٍّ عريق. فأبوه باع قطعةَ أرضٍ ليشتري بارودةً يُسْهم بها في تحرير فلسطين من الاحتلال البريطانيّ. وأخوه محمّد استُشهد على أرض فلسطين عام ١٩٦٦. وأخوه الآخر، القائد الراحل أحمد، ناضل من أجل فلسطين منذ أربعينيّات القرن الماضي. لذا لم يكن غريبًا أن يَعتبر عمّي ماهر (أبو حسين) النضالَ والاستشهادَ من أجل فلسطين أمريْن طبيعييْن لأنّهما جزءٌ لا يتجزّأ من تاريخ عائلته وحاضرها. يقول أحدُ رفاقه، أثناء إحدى المعارك العنيفة ضدّ “العدوّ الصهيونيّ”، إنّ عمّي ماهرًا لم يكن مباليًا بالموت، وكأنّه سيرورة منطقية لكلّ رفيق ومناضل: “يا رفاق! مَن سقط شهيدًا هنا دخل التاريخَ. فاقتحموا التاريخ لأنّ فلسطين تستحقّ.”

***

على أنّ ماهر اليماني لم يكن مقاتلًا شرسًا، “أسدًا همامًا” كما وصفه الأسيرُ القائد أحمد سعدات، أمينُ عامّ الجبهة الشعبيّة، فحسب؛ بل كان أيضًا ذا حضورٍ إنسانيٍّ فذّ أيضًا. وقد يأسرُكَ مِن لقاءٍ واحد فقط: بثقافته، وروحِه المرحة، واهتمامه بك. فتشعر أنّك في حاجة دائمة إلى لقائه، والنهل من معرفته وخبرته.

حين تعارضُه في إجراءٍ سياسيّ ما، يناقشُكَ طويلًا، لكنّه يقول لك في النهاية: “عمّي، إذا إنت مقْتنع بهالشغلة، وبتفيد القضيّة والناس، اعملْها، وتردِّشْ على حدا.” لكنّه لا يترككَ وشأنَكَ، بل يتابعُكَ عن بعد، من دون أن يُشْعرك بالحرج، أو بأيّ نوعٍ من أنواع الضغط. فإذا ثبتتْ صحّةُ رأيك، شجّعكَ على المضيّ في الأمر قُدمًا. وإذا أخطأتَ، لم يتبجّحْ بصواب رأيه، بل يقول لك: “يلّا هايْ تعلّمت. بس مش مسموح ترجع تغْلط مرّة تانية.”

ماهر اليماني

كنّا، نحن اليمانيّين الصغار من أقربائه، نشعرُ بالأمان بوجود عمِّنا في حياتنا. فعند أيّ مشكلةٍ نواجهها، نلجأُ إليه، فيقول لنا عبارتَه المشهورة: “عمّي، ما تهكل هَمّ. كلّه بينحلّ.” وكان كلّ شيء “ينحلّ” فعلًا؛ فماهر كان دائمَ التفاؤل والأمل: “عمري ما حسّيت انّي محبط أو يائس.”

***

وكان الحبيب ماهر هو هو، أينما كان، وفي أيّ زمن: منذ الصغر، وفي أثينا، وفي مطار الثورة في الأردن، وفي معارك مارون الراس واجتياح الـ 1978، وفي بيروت 1982. هو نفسُه في أزقّة المخيّم إذا قابل شابًّا أو شابّة، وهو نفسُه في مقهى إذا جالس مثقّفًا أو فنّانًا أو سياسيًّا. لم يتبدّل ولم يتغيّر، إلّا في اتجاه المزيد من الانخراط في خدمة الناس. وكان يقول لي: “عمّي، الأهمّ مِن كيف تبلّش إنّك كيف تنتهي؛ فياما ناس بلّشوا فدائيّين بس انتهوا (كذا)!”

غير أنّني، مع مرور الوقت، اكتشفتُ في عمّي ماهر جوانبَ متعدّدةً، قد تبدو متناقضة، لكنّها في الحقيقة متكاملة. فهو فوضويٌّ حتى العظم، ودقيقٌ حتى النخاع؛ جَسورٌ كحدّ السيف، ورحيمٌ كأمٍّ رؤوم؛ مَزُوحٌ بلا حدود، وجِدّيٌّ بلا قسوة.

ولكنْ ماذا عن الغضب؟

ماهر اليماني

كان عمّي ماهر لا يغضب إلّا حين يرى انحرافًا عن فلسطين، أو حين يرى طفلًا جائعًا، أو امرأةً فقدتْ زوجَها ولم تستطع إعالةَ اطفالها، أو مريضًا لا يجد ثمنًا لدواء، أو شابًّا لا يستطيع دفعَ أقساط جامعته، أو رجلًا يبحث عن عملٍ ليسدَّ به رمقَ عائلته. فخلْفَ تجاعيد وجه ماهر وتقاسيمه الجدّيّة شلّالٌ لا ينتهي من الهمّ والعطف والرحمة والعطاء والغضب على الظالمين.

***

ذاتَ يوم سألتُه: “عمّي، كيف ممكن أصير متلك؟”

نظر إليَّ وقال: “عمّي، إنتَ ما ممكن تصير متلي، بس إنتَ ممكن تصير وتعمل أحسن منّي.”

وقتَها، لم أفهمْ قصدَه، إذ كنتُ يافعًا لم يرَ إلّا الظاهر من نضال ماهر اليماني. لكنْ، بفضل نقاشاتنا ولقاءاتنا المتكرّرة على مدى عقود، بدأتُ أستوعب ما عناه. فقد سمعتُه مرّةً يقول: “فلسطين قضيّة الأجداد والآباء، وعلينا أن نوّرثَها الأبناءَ والأحفاد. لكنْ، علينا تسليمُهم الرايةَ من دون تشويه.”

نعم، عمّي ماهر كان يؤمن بأنّ فكرَ المقاومة يجب أن ينتقل من جيلٍ إلى جيل، شرط أن يحافظ على نقائه وصفائه، ولا يتعرّضَ إلى تحريفٍ وتشويه، حتى تحقيق هدفنا في العودة إلى سحماتا، وإلى كلّ قريةٍ ومدينةٍ في فلسطين.

كان ماهر يؤمن بأنّ زرعَ فكر المقاومة وحتميّةِ الانتصار لدى جيل الشباب هو الكفيلُ باستمرار الثورة وتحقيق الهدف. ولذلك كان دومًا يزرع الأملَ وروحَ الشجاعة والتضحية لدى الشباب، مردّدًا: “ما حدا يخاف من هادا العدوّ. عدوّنا صحيح قويّ، لكنْ نحن كمان أقوياء، وجماهيرنا بتحمينا.”

لقد أدركتُ أنّ هذا الماهر أراد أنْ يقول لي، وللآلاف من الشباب الفلسطينيّ، إنّ القضيّة لن تقف عند شخصٍ واحد، بل إنّ عليهم أن يتعلّموا ويستفيدوا من تجارب مَنْ كان قبلهم، وأن يطوِّروا قدراتِهم، وقبل ذلك أن يؤمنوا بحتميّة الانتصار. كان يقول لي: “عمّي، إذا ما حسّيت كلّ يوم إنّو فلسطين راجعة بكرا، بيكون بدّك شغل كتير.”

من مرافقتي لماهر، واستماعي إليه عقودًا طويلة، تيقّنتُ من أنّنا يمكن أن نشبهَه كثيرًا، وأن نُكملَ عمله. لكنّني على يقين أيضًا بأنّنا لن نكون “أحسن من ماهر” إلّا اذا اتّبعنا نهجَه في التضحية والثبات على المبادئ، وتحلّيْنا بأخلاقه وتواضعه ومحبّته لفلسطين وللناس .

أيّها الشباب، إيّاكم أن تفقدوا البوصلةَ التي يجب أن تشيرَ دائمًا إلى فلسطين، كلّ فلسطين. إيّاكم أن “تتفلسفوا” من أجل تبرير الخيانة والانبطاح والكسل. فلا “التكتيك،” ولا الثقافة، ولا العلم، ولا كلّ نشاط الدنيا؛ لا شيءَ من ذلك كلّه سيكون نافعًا إنْ أبعدكم عن فلسطين وخدمةِ الناس.

مخيّم البدّاوي، شمال لبنان

المصدر: مجلة الآداب

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق