مع ماهر اليماني على مقاعد الدراسة

بسام حمّودة خليل

28.03.19

من المستحيل أنْ أحدِّدَ متى بدأتْ توأمةُ روحي مع ماهر اليماني. كلُّ ما أعرفُه هو أنّنا بدأنا المدرسةَ الابتدائيّةَ معًا. وعلى الرغم من العدد الكبير من زملائنا الطلّاب آنذاك، فقد كنّا صديقيْن ورفيقيْن دائمًا. وكنّا، في غالب السنين، نتقاسم مقعدَ الدراسة نفسَه في مدرسة “نهر الأردن” في مخيّم البدّاوي، شمال لبنان. ولم نختلفْ خلال فترة حياتنا سوى مرّةٍ واحدة. وإليكم تتمّةَ القصة.

حين اختلفنا، أخذَنا أحدُ الأصدقاء عند الأستاذ برهان اليماني، وهو من كبار إخوة ماهر، كي يُصْلحَ بيننا. عندما دخلنا عليه في مكتبه طردَنا وهو يصرخ فينا: “ما عندي وقت أضيّعُه للإصلاح بين متخاصمين فايتين عليّ وإيديهم بإيدينْ بعض!” وتابع: “ما إنتو إذا ضاع الواحد منكن منلْقيه مع التاني! يلّا من هون روحوا إلعبوا.” فخرجنا نضحك، ويلوم الواحدُ منّا الآخر وهو يقول: “عجبك يا شاطر؟ هيّانا أكلنا بهدله!”

لقد كان ماهر هادئًا، وكان شديدَ المرح والحيويّة المُعْدية، في الصفّ وخارجَه، ولم يتعاركْ أو يتخاصمْ مع أحد؛ على العكس: كان دائمًا يحاول حلَّ المشاكل بين الزملاء. وكان كريمًا لا يتأخّر في مساعدةٍ تُطلب منه، أو في إعارة أيِّ شيءٍ يملكه.

***

مع ماهر اليماني على مقاعد الدراسة

لقد كان ماهر هادئًا، وكان شديدَ المرح والحيويّة المُعْدية، في الصفّ وخارجَه

في تلك الفترة كنّا نلعب ونلهو بما كان متاحًا لنا. وكنّا نفضّل الألعابَ الرياضيّة – وبخاصّةٍ كرة القدم والبينج بونج – في النادي الذي كان يرأسه والدي الأستاذ حمّودة خليل، رحمه الله، وهو المكانُ الذي يوجد فيه الآن مكتبُ الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين في مخيّم البدّاوي. كنتُ آخذ المفاتيحَ خلسةً في الصباح، وفي الفرص نذهب ونلعب على راحتنا، إذ إنّهم في المساء لم يكونوا يسمحون لنا باللعب هناك بسبب صغر سنّنا.

بقينا، ماهر وأنا، على مقاعد الدراسة الواحدة حتّى صف البكالوريا، أيْ عندما نفّذ عمليّةَ أثينا.

***

من الناحية النضاليّة، كان ماهر سبّاقًا في كلّ شيء يتعلّق بها. ولكونه الابنَ الأصغرَ في عائلةٍ كبيرةٍ من المناضلين، فقد كان مرسالًا بين إخوته و”حركةِ القوميّين العرب.” وكان يعي ذلك لأنّهم كانوا يؤكّدون عليه وجوبَ الحفاظ على السرّيّة التامّة. وكنّا نتشارك في كلّ المناسبات المتعلّقة بالقضيّة الفلسطينيّة، مثل وعد بلفور وذكرى النكبة، وساهمنا في حملات التبرّع من أجل دعم هذه القضيّة. كما تشاركنا في جميع المناسبات المتعلّقة بالقضايا العربيّة، مثل المظاهرات المؤيِّدة لثورتَي الجزائر واليمن، ودعمًا لإخواننا في أغادير بعد وقوع الزلزال المدمِّر فيها.

وعلى ذكر التبرّعات من أجل فلسطين، كنّا أنا وماهر ورفاقٌ آخرون نحمل صناديقَ من أجل جمعها. وذاتَ يوم قرعْنا جرسَ أحد البيوت في مدينة طرابلس، ثمّ انتبهنا إلى الاسم المكتوب على الجرس، فإذا هو منزلُ الرقيب في “المكتب الثاني” (المخابرات اللبنانيّة)، وكان مسؤولًا عن مخيّم البدّاوي. احترنا ماذا نفعل، ثمّ أشرنا إلى رفاقنا بالانصراف، وبقينا أنا وماهر، حتّى فُتح الباب. كان الرقيب هو مَن فتح البابَ بنفسه، وقال مبتسمًا: “أهلًا بالشباب.” قلنا له: “تبرّعْ من أجل فلسطين.” أجابنا: “تكرموا،” وأخرج نقودًا وتبرّع، وذهبنا. لكنْ، بعدها، طلبوا ماهرًا إلى مركز “المكتب الثاني” في بيروت، وطلبوني أنا إلى مركزهم في مخيّم البدّاوي. كان ذلك في أوّل أيّام العيد كي يكون عيدُ أهلي “سعيدًا” كما قالوا ساخرين!

وعلى ذكر المظاهرات والإضرابات، أذكرُ أنّ الرئيس التونسيّ الحبيب بورقيبة أتى إلى بيروت ليعرضَ آراءَه في الحلول “السلميّة” (الاستسلاميّة) مع العدوّ الصهيونيّ، فقامت المظاهراتُ ضدّه، وقذفه المتظاهرون بالبيض والبندورة، وهتفوا الهتافَ الشهير: “يا بورقيبة يا عـ(…)، مين قالك تيجي بيروتْ!” كنّا آنذاك في الصفّ التكميليّ الثاني، وبسبب سنّنا لم نستطع الذهابَ إلى بيروت للمشاركة، وعلمنا أنّ مفتّشين عن الأونروا (وكالة غوث اللاجئين) سيأتون من بيروت في اليوم التالي. فقرّرنا على عجلٍ إسماعَ صوتنا، وأضربنا في الفترة الصباحيّة، أيْ خلال زيارة المفتّشين، احتجاجًا على زيارة بورقيبة. وبسبب شعورنا بالمسؤوليّة، وحرصًا على تعليمنا، فقد عدنا الى الدراسة بعد الظهر.

***

بسبب معرفتنا بماهر، ومن أيّ عائلةٍ ينحدر، كنّا نعرف جيّدًا بوجود “حركة القوميّين العرب” أو “الشباب” كما كنّا نسميهم. كنّا، أنا وماهر، نتفاخر أمام الأولاد عندما كان “الشباب” يحْضرون الأعراسَ ويبدأون بترديد نغمات أغنية “وطني حبيبي الوطن الأكبر.” كان الأولاد والناسُ يتساءلون: “مين هولْ؟ مين هولْ؟” وكنّا، أنا وماهر، نردّ بابتسامة القويّ العارف: “هول الشباب.” فيقولون: “أيّ شباب؟” فنجيب: “الشباب العرب.” والحقيقة أنّني ما زلت أحسّ بذلك الفخر حتّى يومنا هذا. وما أودّ قولَه هنا هو أنّ العمل النضاليّ و”حركة القوميّين العرب” لازما رفيقي ماهر اليماني منذ أن وُلد.

لقد وُلد مناضلًا، وعاش مناضلًا، ورحل وهو ما يزال يناضل.

***

قبل ذهابه إلى أثينا، لم نكن بالتأكيد نعرف أنّه ينوي خطفَ طائرة إسرائيليّة هناك. ولكنّني، واثنيْن آخريْن من الرفاق، هما بكر عيد وصلاح الدين الهواري، كنّا نعرف أنّ شيئًا ما يحضِّر له ماهر، لأنّه كان مرتاحًا ولطيفًا وكريمًا جدًّا. ولقد ودّعنا على طريقته، وبحسبِ ما سمحتْ به الظروف: فقد أهداني شخصيًّا مجموعةَ أوراقٍ للدراسة ما زلتُ أحتفظ بها، وقدّم إلينا جميعًا صورًا من ذكرياتنا، واشترينا فيلمًا وتصوّرنا صورةً نظهر فيها نحن الأربعة وقد كَتب ماهر عليها من الخلف: “إخوةٌ ورفاقٌ إلى الأبد.” ووقّعها.

نعم، كنّا إخوةً ورفاقًا. وسنبقى كذلك إلى الأبد.

مخيّم البدّاوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق