أحوال تركيا وأردوغان.. بسبب أردوغان ذاته

أحوال تركيا وأردوغان.. بسبب أردوغان ذاته

د. فايز رشيد



لم يأخذ حدثا من التحليلات السياسية ,والانقسام بين رأيين متناقضين, مؤيد ومعارض لانقلاب , كما هي محاولة الانقلاب التركي الأخير في 15 يوليو/تموز من هذا العام 2016. ذات المسألة تنطبق على الرئيس التركي الحالي رجب طيب أردوغان. باختصار يمكن وصفه بالتالي:إنسان نرجسي مهووس بحب الذات وامتلاك السلطة. منقلب على سياساته المنتهجة بسرعة تعادل سرعة الضوء. غدّار بأصحابه وبمن كان لهم قضلا عليه. ضعيف مهما حرص على إبداء مظاهرالقوة. إنسان مهزوزمن داخله. قصير النظر في السياسة والحكم على المديين القريب والبعيد, رغم تنكيله واعتقال الآلاف من العسكريين والمدنيين بعد محاولة الانقلاب, وفصل ما يقارب الستين ألفا من وظائفهم من القضاة وصولا إلى العاملين في وزارتي الزراعة والنقل.حلم بإعادة الأمجاد السلطانية والقصور الفارهة(بناؤه للقصر الأبيض, وماولة قلب نظام الحكم من برلماني إلى رئاسي) وغيرها.

صحيح أن كل هذه الصفات مجتمعة,لم تكن لتتضح بصورتها الفظة الحالية, لولا محاولة الانقلاب الأخيرة في بلد يعجّ تاريخه بالانقلابات العسكرية . لذا كان من الطبيعي أن يتمنى محاولة انقلاب تحصل في عهده , أو الاتفاق مع بعض العسكريين التابعين له ,للقيام بمهذه المحاولة! كي يجد مبررات تنكيله, بل بطشه بكل من يعارض سياساته , وفرض حالة الطوارىء رغم مرور زمن على تجنبها.

لم تنجح مخططاته في سوريا , ولا في العراق ولا مع كل دول الجوار. لم تنجح كل محاولاته في مجابهة روسيا في إسقاط طائرة السوخوي ولا بعدها, في ركوب موجة المكابرة بالتصريحات المنفلتة من عقالها ,المتحدية لبلد يملك ترسانة من أسلحة تتفوق على ما تمتلكه أمريكا. بلد يصدّر إليه في العام الواحد 5 ملايين سائح . من الطبيعي والحالة هذه, ظهور أعراض الشيزوفرينيا على صاحبها المصاب بدابة بـ “الفصام المؤقت” ومن ثم “المزمن”. صاحب هذا المرض بالطبع يفقد القدرة على التركيز فيما يتخذه من خطوات لا موزونة, منافية للعقل والمنطق, خالية من التوازن . هذا هو ما عليه أردوغان من حالة بالمعاني الطبية, النفسية والسياسية والاجتماعية.. ولتوضيح كل ذلك, نقول:

حتى لو أثبت الانقلاب الحالي فشله بعد أن أمسكت الحكومة الحالية بزمام الأمور، فإن هناك شكوكا حول استقرار الحركة السياسية لأردوغان. فكيف يمكن لزعيم بدأ حكمه قبل 13 عاماً بقطعه وعودا لم يستطع تنفيذها ,أن يخرج عن هذا المسار بهذه الدرجة من السوء؟ اقتحم حزب العدالة والتنمية بزعامته , طريقه إلى السلطة يوم الثالث من تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2002. وفي حينه، كسب الحزب 34 بالمائة من الأصوات، وليس لأن ثلث المقترعين الأتراك دعموا مواقف الحزب المحافظة والدينية والاجتماعية بالضرورة، وإنما لأنهم أرادوا التغيير. فقد شهدت الأعوام السابقة فضائح فساد متكررة وأزمات مصرفية ، وتدنياً متواصلاً في قيمة الليرة التركية في مقابل سعر صرف الدولار الأميركي. للعلم, في عام 1980,وبعد أن أسقط الجيش التركي في حينه الحكومة التركية، فرض دستوراً جديداً في سعيه إلى إضفاء الاستقرار على السياسة المتوترة في تركيا. ومن أجل منع برلمان منقسم من خلق حالة تصبح معها الحكومات رهناً لأحزاب صغيرة ضحلة (كما هو الحال في بعض الأحيان في الكيان الصهيوني)، قضى دستور العام 1982 الذي فرضه الجيش, بوجوب حصول كل الأحزاب على 10 في المائة من الأصوات لدخول البرلمان. أما تلك الأحزاب التي لا تحصل على هذه النسبة من الأصوات، فتجري إعادة توزيع مقاعدها – في انتخابات العام 2002 حصلت خمسة أحزاب على ما يتراوح بين 5 و9 في المائة-. وباختصار، تحول ثلث الأصوات إلى قبضة الثلثين على البرلمان. ومكن ذلك حزب العدالة والتنمية من تحقيق الكثير مما أراد تحقيقه. فماذا كان أحد أول أعماله؟ تغيير القانون بغية السماح لأردوغان بدخول الحكومة.

مع ذلك كسب أردوعان الإشادة. فقد أضفى الاستقرار على العملة، ثم حذف ستة أصفار من سعر الليرة. وعنى ذلك ,لم يعد الأتراك بحاجة لأن يكونوا مليونيرات حتى يشتروا ساندويشة. كما تبنى أجندة مؤيدة للأعمال والنشاطات التجارية التي لم تسهل الاستثمار أكثر وحسب، وإنما ضمنت أيضاً أن توسع الدولة وشركاؤها الخاصين أعمالهم في مجال الاستثمار. وقد عاش العديد من النخبة التركية الكبيرةأوضاعا مالية متقدمة, واستثمروا في تركيا الأوروبية، لكنهم نادراً ما كانوا يقيمون المشاريع في داخل تركيا ، ربما باستثناء زيارة سريعة لأنقرة .لم يصبح الأتراك أثرياء وحسب، بل ولأول مرة، أحست أقسام من السكان كانت محط تجاهل لفترة طويلة أو مسحوقة بأنها أصبحت تحظى بالاحترام .وعندما يتعلق الأمر بالاقتصاد، كان أردوغان محظوظاً. ومع تعافي اقتصاد تركيا، هبطت معدلات الولادة وزادت معدلات الحياة، وكذلك تحسنت أوضاع العمل عند المواطنين. كان ذلك انتعاشاً اقتصادياً مشابهاً لذلك الذي دفع نمور شرق آسيا إلى التمتع بالازدهار في العقود الأخيرة من القرن العشرين.لكن تلك الطفرة أخفت أيضاً بعض الاتجاهات المنطوية على مشاكل عميقة. وبينما يعتبر معدل دَين تركيا لإجمالي الناتج القومي المحلي منخفضاً نسبياً عند حوالي 33 في المائة , فقد ارتفع الدين الخاص بشكل صاروخي، وفق محللين مصرفيين. ويعاني معظم الأتراك من ديون ثقيلة، ولا يرون أي أمل في تسديد الفوائد المترتبة على قروضهم. وعنى ذلك أنه حتى ولو بدت الإحصاءات الرسمية مشرقة، فإن الأتراك يشعرون بوجود أجواء قاتمة في الأفق.

ثم هناك غطرسة أردوغان. فعندما فاز هو وحزبه في انتخابات بعد انتخابات، تخلى عن أي تظاهر بحكم كل الأتراك، وأعلن: “سوف أنشئ جيلاً متديناً”، مديراً بذلك ظهره للعلمانية التي كان كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية التركية، قد فرضها على البلد قبل تسعين عاماً. وبدلاً من معالجة زيادة بنسبة 1400 في المائة في معدل الجريمة ضد النساء، أصدر تعليماته للنساء بالمكوث في المنزل وتنشئة ثلاثة أبناء. ولم يحشد فقط ضد عمليات الإجهاض، وإنما أيضاً ضد الولادة القيصرية باعتبارها انتهاكاً لإرادة الله. وببساطة، لم يعد يعير اهتماماً لما يفكر فيه الليبراليون ىوالعلمانيون الأتراك، كما أنه لم ير أي حاجة إلى تمثيلهم.

وينطبق الشيء نفسه على القضاء و الصحافة. فقد كان العديد من الأتراك قد دعموا أردوغان في البداية انطلاقاً من الكراهية للجيش، واعتقاداً منهم بأن التزامه بالإصلاح كان حقيقياً. لكنهم سرعان ما أدركوا أن أردوغان لا يريد صحافة حرة، وإنما أراد صحافة خانعة، حتى أن انتقاداً بسيطاً أصبح من الممكن أن يعني مشكلة قانونية. ولدى تركيا صحفيون يقبعون في السجون راهنا أكثر من أي بلد آخر. أردوغان يستمرئ القمع. وقد بدأت انتفاضة المتنزه كاحتجاج بيئي لإنقاذ واحدة من الفضاءات الخضراء المتبقية في وسط اسطنبول, لكن، تكتيكاته المشددة حولتها إلىقمع منقطع النظير . وبعد أن هدأت الكلمات التصالحية من الرئيس التركي في حينه، عبدالله غول،في تهدئة الأوضاع ,بدا أردوغان وكما أنه يزيد النار اشتعالاً.كما أنه انقلب على أصدقائه أيضاً.,مثلاً أتباع فتح الله غولن، رجل الدين التركي (الذي يعيش حالياً في بنسلفانيا في الولايات المتحدة ,ويطالبها أردوغان بتسليمه باعتباره من وجهة نظره المخطط للانقلاب) والذي يبشر بالسلام والتسامح الديني. وكان كل من أردوغان وغولن على حد سواء قد عانيا على يد الجيش، وعملا يداً بيد من أجل الحد من وطأته ونفوذه على السياسة. وفور شعور أردوغان بأنه لم يعد بحاجة لغولن وأتباعه ، انقلب عليه وعليهم وصادر أعمالهم وأصولهم التجارية واعتقلهم، ولفق لهم تهماً ونعتهم بالإرهابيين.

على صعيد آخر، عانت سياسته الكردية إلى نفس الممارسات,فقد وجد الأكراد أملاً في وعود أردوغان في حل معاناتهم التي مضت عليها عقود، حتى أنه شرع في مفاوضات سرية مع عبد الله اوجلان(الذي اعتقله أردوغان فيما بعد ,وما يزال)، زعيم حزب العمال الكردستاني المحظور. لكن كل الوعود جرى تنحيتها جانباً بعد كل انتخابات .مع ذلك, وعندما رد الأكراد الأتراك عبر التصويت لصالح حزب الشعب الديمقراطي الكردي، بدلاً من التصويت لصالح حزب العدالة والتنمية، انقلب عليهم بالانتقام منهم، وتحويل منطقة جنوب شرق تركيا إلى منطقة حرب تذكر بأسوأ أيام ثمانينيات القرن الماضي.ولكن، ربما تظل أكبر مشكلة هي سياسة أردوغان الخارجية. فقد وعد بلا مشاكل مع الجيران، فقط ليقحم تركيا في مشاكل مع كل دولة جارة تقريباً. وقد هبطت عوائد السياحة عندما عمد الروس، ثم كل سائح آخر تقريبا,إضافة إلى التفجيرات التي شهدتها اسطنبول، إلى قضاء العطلة في مكان آخر.وربما قد تكون الموجة الأخيرة من الإرهاب هي القشة التي قصمت ظهر البعير.. فطائفية أردوغان المتزايدة – وعداؤه الشخصي للأكراد السوريين ونظام الرئيس السوري بشار الأسد على حد سواء- قادته إلى رؤية الجماعات المتطرفة داخل سورية مثل جبهة النصرة، وحتى “داعش” نفسه، كأدوات مفيدة, فدعمها بالعتاد والمال وتسهيل الحركة, وفتح الحدود أمامها لعبور الحدود إلى سوريا والعراق.كما أن تسوية الأوضاع (بالمناسبة العلاقات بين تركيا واسرائيل لم تنقطع, وبخاصة في المجالين الاقتصادي والعسكري) التركية -الصهيونية و(تخلي أردوغان عن مطلب فك الحصار عن غزة كشرط للتسوية) أضعف ويضعف الرئيس التركي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق