المقالات

مستقبل عملية السلام في ضوء نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة

مستقبل عملية السلام في ضوء نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة

إبراهيم عبدالكريم

ثمة مغزى بالغ الدلالة لتوصية قوائم اليمين ويمين الوسط والمتدينين، التي فازت ب (82) مقعداً في انتخابات الكنيست الأخيرة، بتسمية بنيامين نتنياهو أمام الرئيس الإسرائيلي شمعون بيرس، ليقوم بتكليفه مجدداً بتشكيل الحكومة. بينما امتنع 38 عضواً من الكنيست من أحزاب الوسط واليسار والعرب عن تسمية أي مرشح لتشكيل الحكومة.

ولتحرّي طبيعة ما تنطوي عليه هذه الخطوة من أبعاد استراتيجية تتعلق بالقضية الفلسطينية، يكفي استعراض البرامج الأمنية-السياسية لتلك لأحزاب، التي اختارت نتنياهو لترؤس الحكومة القادمة، سواء أكانت حكومة يمينية ضيقة، أم حكومة واسعة. ففي الشأن الفلسطيني، يستطيع المتابع تحديد القواسم المشتركة لبرامج الأحزاب التي ستشكل الإطار الائتلافي لحكومة نتنياهو المقبلة، بالنقاط التالية: 1- رفض قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، 2- اقتراح بدلاً من ذلك إطار حكم ذاتي للسكان في الضفة الغربية على أن تكون الشؤون الخارجية والأمن مسؤولية إسرائيل، 3- تعزيز الاستيطان في الضفة والتمسك بغور الأردن والكتل الاستيطانية، 4- استكمال بناء الجدار الفاصل، 5- رفض عودة اللاجئين، 6- اعتبار القدس كاملة وموحدة عاصمة أبدية لإسرائيل مع ضمان وجود تواصل استيطاني بين كل أجزائها للحفاظ على وحدتها، 7- مواصلة حصار قطاع غزة، 8- محاربة فصائل المقاومة، 9- رفض التفاوض المباشر مع حكومة حماس، ورفض أي خطوات فلسطينية أحادية الجانب.

من حيث المبدأ، هذه هي ملامح الخلفية التي يتعيّن اعتمادها لدى مناقشة مستقبل عملية السلام في ضوء نتائج الانتخابات الإسرائيلية الأخيرة، وهي خلفية بيّنت تجارب السنوات والعقود الماضية أنها تعدّ المرجعية الثابتة الرئيسية للأداء السياسي الإسرائيلي في عهود الحكومات المتعاقبة.

ولمزيد من المعطيات في المنحى الاستشرافي لآفاق المستقبل، لوحظ أن نتنياهو كان واضحاً في خطابه أمام قيادة “الليكود” إثر إعلان نتائج انتخابات الكنيست، حيث أكد أن “المهام والمبادئ الأساسية التي ستحكم عمل الحكومة القادمة؛ هي: مواجهة التحديات الأمنية وفي مقدمتها منع إيران من الحصول على السلاح النووي، وتعزيز قدرات الاقتصاد الإسرائيلي في مواجهة الأزمة العالمية، وزيادة المساواة في تحمّل الأعباء، وتحقيق الرفاه الاقتصادي للطبقة الوسطى، وتخفيض غلاء المعيشة وخاصة أسعار السكن”. ولم يذكر نتنياهو في كلامه الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني. ولاحقاً كرّر نتنياهو قائمة هذه المهمات، ولكنه أدرج موضوع المفاوضات مع الفلسطينيين كبند هامشي فيها، بعدما قوبل بانتقادات من أوساط سياسية داخلية وخارجية.

لقد قدّم نتنياهو، لكل مَنْ ظل يراهن على تغيير مواقفه، أدلة ثابتة أخرى على تمسكه بالمسار ذاته الذي يؤمن به في قرارة نفسه ويُفاخر به في أحاديثه المغلقة، وهو أنه نجح خلال السنوات الأربع الأخيرة لحكومته في التملص من استحقاقات عملية السلام وعدم تقديم أي حلول وسط للفلسطينيين. وكعينة من سلسلة التصريحات النارية التي أدلى بها وتؤكد تمسكه بهذا المسار؛ ما ذكره خلال لقائه في تل أبيب مع رئيس مجلس “يشع” للمستوطنين المنصرف، داني دايان، (بتاريخ 10 يناير 2013) أن “كل أرض نخليها ستحتلها حماس وإيران، ونحن لن نسمح لهذا بأن يحدث”. وخلال مقابلة متلفزة أجراها مع موقع “ويلا” الإسرائيلي قبل انتخابات الكنيست بيومين، قال نتنياهو: “سيكون هناك نوع ما من الحكم (للفلسطينيين) في إطارٍ منزوع السلاح”. ولمزيد من التوضيح، رفض نتنياهو إقامة دولة فلسطينية على حدود عام 1967، ورأى أنه حتى اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل كدولة يهودية لا يكفي للموافقة على إقامة دولة فلسطينية، مؤكداً عزمه على مواصلة البناء في المستوطنات في الضفة الغربية، ولاسيما في مدينة القدس. وأضاف نتنياهو: “أنا أرفض قيام الدولة الفلسطينية في هذه المرحلة، وينبغي أن نعيد النظر في بعض الأمور، فالرئيس الفلسطيني محمود عباس بدأ يعانق “حماس”، التي دعت قبل شهر واحد فقط إلى القضاء عليناً”. ولم ينس نتنياهو أن يهاجم الأحزاب “اليسارية” الإسرائيلية التي تدعو إلى منح الفلسطينيين أراضي مقابل استئناف المفاوضات.

غير أن هناك متغيّرات في البيئة الإقليمية والدولية تستدعي النظر إليها كعوامل مؤثرة لا يستهان بها، لدى مناقشة احتمالات اللجوء الإسرائيلي القسري لفتح الثلاجة التي أدخلت حكومة نتنياهو فيها عملية السلام. وإذا كانت التطورات في كل من مصر والأردن بصورة خاصة، وفي المنطقة العربية عموماً، تنتمي إلى تلك المتغيرات، فإن المواقف الأوروبية والأمريكية إزاء التسوية السياسية تشكل الباعث الرئيسي للمناقشة، لما لقدرتها من تأثير في التوجهات الإسرائيلية، ولاسيما أن علاقات إسرائيل الخارجية أخذت تمر بأسوأ حالاتها، كنتاج مباشر لسياسة حكومتها إزاء الفلسطينيين.

على الصعيد الأوروبي؛ من المتعذر أن تواصل إسرائيل تجاهل التوتر الملموس في علاقاتها مع الدول الأوروبية، وخاصة المركزية منها، بفعل تحميل حكومة نتنياهو المسؤولية الكبرى للجمود الحاصل في عملية السلام وتكثيف البناء الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية. ولا شك في أن نتنياهو وتياره علموا بالتقارير التي تحدثت عن أن بريطانيا وفرنسا تُعدّان لطرح مبادرة سياسية جديدة لإعادة إطلاق المفاوضات الإسرائيلية-الفلسطينية، وتحاولان إشراك ألمانيا معهما في المبادرة، وأن اجتماعات ومراسلات تجرى بين الدول الثلاث حول أسس التحرك المقبل.

وحسب هذه التقارير، من أبرز الأفكار، التي يجري تداولها بين تلك الدول؛ العمل على إعادة إطلاق مفاوضات تتناول الحدود بين دولتي فلسطين وإسرائيل، لفترة زمنية محددة، مع تجميد الاستيطان في المناطق التي يُتوقع أن تكون داخل حدود الدولة الفلسطينية، والتسليم ببقاء الكتل الاستيطانية التي يُتوقع ضمها إلى إسرائيل في إطار عملية تبادل محتملة لأراض معينة. وفي حال طرح هذه المبادرة رسمياً، ربما تجد حكومة نتنياهو نفسها مضطرة إلى فحص طبيعة البضاعة ومدى تطابقها مع مواصفات التسوية الإسرائيلية المحددة مسبقاً.

وعلى الصعيد الأمريكي؛ لا شك في أن نتنياهو توقّف ملياً عند مضامين التسريبات العنيفة التي نشرها الصحفي الأمريكي جيفري جولدبرج المحلل السياسي لمجلة “أتلانتيك” ونشرها في موقع “بلوومبيرج”، في منتصف كانون الثاني/يناير الماضي، وتلقفتها الصحافة الإسرائيلية باهتمام واسع وبعناوين بارزة، وخاصة أن جولدبرج يعدّ مقرباً من إدارة أوباما. وفي تلك التسريبات انتقادات حادة من قبل أوباما لنهج نتنياهو، لدرجة الحكم بأن إسرائيل قد تواجه خطر الموت بفعل هذا النهج.

كما لا يغيب عن ذهن نتنياهو أنه في الولاية الثانية للرئيس أوباما، من المرجّح أن يكفّ هذا الأخير عن اعتماد سياسة “القيادة عن بُعد”، ويفكر باستئناف مساعيه السياسية. كما يعلم نتنياهو أن وزير الخارجية الأمريكي الجديد، جون كيري، الذي سيتولى شخصياً ملف التسوية، مستفيداً من علاقته القوية مع إسرائيل، يعكف حالياً على بلورة مبادرة سلام جديدة، وسيزور إسرائيل والأراضي الفلسطينية قريباً، للضغط على الطرفين لإعادتهما إلى العملية التفاوضية. في هذه الحالة لن تجرؤ إسرائيل على إغلاق الباب في وجهه، لكنها ستظل تتمترس وراء أفكار التسوية النمطية ذاتها التي تقذفها في الملعب الآخر.

وعلى نتيجة الزيارة المرتقبة لجون كيري وتحركاته، سيقرر الرئيس أوباما إلى أين سينطلق من مفترق الطرق الراهن. وحسب “القناة الإسرائيلية العاشرة” (بتاريخ 27 يناير 2013) سيأتي أوباما إلى إسرائيل والمنطقة في حالة واحدة هي إذا كان هناك تقدم في العملية السياسية بين إسرائيل والفلسطينيين، وربما يعلن خطة جديدة لإحياء المفاوضات.

وبافتراض تضافر الضغوط الأمريكية مع مثيلاتها الأوروبية، وتجسيد فكرة توجّه وفد رسمي عربي إلى الولايات المتحدة حاملاً تصوراً عربياً لتحريك عملية السلام في المنطقة واستئناف المفاوضات، من المقدّر أن تتمخض التطورات عن إمكانية عقد مؤتمر دولي جديد، قد يكون على غرار “أنابوليس” (2007).

ومع ذلك، سواء حدث هذا أم لم يحدث، فإن التوقعات لا تحمل على التفاؤل، ولنتذكر أنه منذ عام 2000 فقط استقبل خزان عملية السلام نحو عشرين مبادرة سياسية مختلفة، فضلاً عن مجموعة واسعة من الخطط أحادية الجانب للتسوية أو لإدارة النزاع. وبناء على تراكمات الماضي هذه، يمكن التكهن سلفاً بأن أي مبادرة جديدة، من الصندوق ذاته أو من خارجه، حتى لو تضمنت شتى الأفكار الإبداعية، ستواجه الجدار الذي دأبت على تحصينه طغمة يمينية بزعامة نتنياهو، من دون فرق بين حكومة ائتلافية وأخرى.

مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 5/2/2013

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى