الرئيسية | المقالات | الصهيونية تعاني بدء أزمتها التاريخية

الصهيونية تعاني بدء أزمتها التاريخية

Apr 05, 2018

ربما يثير هذا العنوان استغراب الكثيرين لأن الصهيونية تعتبر أكبر حزب منظّم في التاريخ وما زالت تسيطر على العصبين الحياتيين الرئيسيين: المال والإعلام على الصعيد العالمي. هذا إضافة إلى أن

د.فايز رشيد

وليدها السياسي الإسرائيلي مزنّر بكل أسباب القوة العسكرية، ولا يمنعها قانون دولي أو أخلاقي من ارتكاب حرب الإبادة الجماعية ضد شعبنا وآخرها ولن يكون أخيرها المجزرة التي اقترفتها ضد أهلنا في يوم الأرض (الجمعة 30 مارس/آذار 2018) ضد مظاهرات سلمية بحتة، كلّ ذنب المشاركين فيها أنهم يطالبون بحقهم في العودة إلى ديارهم ووطنهم، هذا الحق الذي أقرّته الشرعية الدولية في قرارها رقم 194 كما جميع الأعراف والشرائح الحقوقية العالمية. ردّ فعل الحكومة الإسرائيلية ممثلة بنتنياهو ووزير حربه ليبرمان على المذبحة تمثّل في توجيه شكر وتهنئة للجيش الذي اقترفها كونه سمح للإسرائيليين بالاحتفال بهدوء في عيد الفصح (وكأن الجيش اقترف المجزرة وحده دون توجيه الأوامر منهما)!
من جانب آخر، لم يدر بخلد هرتزل ولا قادة الحركة الصهيونية عند عقد مؤتمرهم الأول عام 1897 أن الفلسطينيين بعد سبعة عقود من إنشاء الكيان الإسرائيلي عام 1948 (وقد كان تقدير هرتزل في موعد إنشائه – بعد نصف قرن من انعقاد المؤتمر- صحيحا) سيتساوون في العدد مع اليهود في فلسطين التاريخية! هم اعتقدوا، كما جابوتنسكي وبن غوريون فيما بعد، أنه بعد ممارسة التطهير العرقي ضدّهم، وتهجير ما يقل عن مليون منهم ( حوالي 800000) قبيل وبعد إنشاء الدولة وعلى مدى وجود إسرائيل، في الخطة التي عرفت باسم «دالت»، اعتقدوا أنهم سيمحقون الفلسطينيين عن وجه الأرض، أما من يتبقى منهم فكبارهم سيموتون وصغارهم سينسون! كما قالت غولدا مائير. ولكن ثبت خطأ مقولتهم تماما، فأحفاد أحفاد المهجّرين من فلسطين يتمسكون بحق العودة أضعاف أضعاف أجدادهم. ورغم مرور ما ينوف عن القرن وحقائقه لم ينس فلسطيني واحد حقّه في أرضه. ثم إن مبدأ القوة وارتكاب المذابح والعنف أثبت فشله على المدى التاريخي، ذهب المحتلون، حملوا عصيّهم على كواهلهم ورحلوا وبقيت الحقيقة الخالدة أن أي استعمار مهما بلغت قوته سيضطر يوما للرحيل وإسرائيل لن تكون استثناء من هذه القاعدة.
حتى في الحركة الصهيونية ناشد بعض زعماء اللوبي الصهيوني في أمريكا «حاخامات» البیت الأبيض قائلين: «انقذوا إسرائيل من نفسھا وانقذونا من عناقكم القاتل لها»، بل ثمة من الإسرائيليين من كتب حول ذلك، تقول كارولینا لیندسمان في صحيفة ھآرتس 30 مارس/آذار 2018 إن «الإحساس بأن الفلسطینیین ھم مشكلة ھامشیة طفیفة غیر مثیرة للإھتمام ھي مشكلة إسرائيلیة داخلیة لن ّ تتبخر ولن تختفي. في منظومة القوى العملیة لا یمكن لإسرائيل أن تنتظر إلى أن تُبلور لنا الولایات المتحدة خطة أخرى كي تتمكن من رفضھا. على إسرائيل أن تصمم حدودھا وخطوطھا الحمراء، وأن تُخفِّض إنجازات الاستیطان والصھیونیة. ھذا لیس لأن المسیرة المخطّط لھا ستفكك، بل ھي مجرد مؤشر أوّلي للتشكیك بالفرضیات الأساس التي تثبتَّ». أما أوري سیغال فقد كتب في «معاریف» في الیوم ذاته قائلا: «كلما نجح الفلسطینیون في التمسك بالكفاح غیر العنیف، وروح المھاتما غاندي ونیلسون ماندیلا ومارتن لوثر كینغ، سینكشف میزان القوى الحقیقي بین الإسرائيلیین والفلسطينيين، وینكشف أیضا عجز السلاح، مھما كان متطوراً، والتفوّق العسكري لإسرائيل سيكون في طالحها، إذ أن ليس القوي بل المُحِقّ هو الذي ينتصر». أما جدعون ليفي في «هآرتس» (الأول من نيسان/ أبريل الحالي 2018) فقد كتب مقالةً يدين فيها المجزرة، عنونها بـ «جيش الذبح الإسرائيلي». وفي الثاني من الشهر ذاته علّق عاموس هارئيل ، معنونا مقالته بـ «القتلى الكثيرون في غزة سيحافظون على نيران المواجهة». من جانبه عنون درور يهيني، في «يديعوت أحرونوت»، مقالته متسائلاً « كيف انتصرنا في معركة أخرى وخسرنا الحرب؟» كما طالب كل من مردخاي كريمنتسير في «هآرتس» ود. رويتل عميران في «معاريف» بتشكيل «لجنة تحقيق» في المجزرة. هذا غيض من فيض مما قاله معلقون إسرائيليون.
نعم، لقد سجّل الخداع الصهيوني بكل ما يتعلق بأعداد أبناء الديانة اليهودية في العالم، حضيضا غير مسبوق. فبعد أن اختلقت الصهيونية بدعة «الشعب الصهيوني» في نهايات القرن التاسع عشر دعت لجنة حكومية رسمية إسرائيلية قبل أسبوع إلى اختلاق يهود جدد من خلال تهويد ملايين ممن تعتبرهم «مقربين» لليهودية، أو للحركة الصهيونية. وهذا الهوس يعكس حالة القلق الصهيوني المتعاظم من المسألة الديمغرافية الذي شهدناه مع صدور تقرير يؤكد تساوي عدد الفلسطينيين واليهود في فلسطين التاريخية. وتدعي اللجنة الرسمية إياها أن في العالم أكثر من 60 مليون شخص، منهم من له أصول يهودية، ولكنهم حاليا ليسوا يهودا أو أن المؤسسة الدينية لا تعترف بيهوديتهم. وأيضا منهم من هم مقربون من اليهودية والصهيونية، دون أي صلة جذور لليهودية. وعليه توصي اللجنة حكومتها بالعمل بين هذه المجموعات المنتشرة في دول عدة في العالم لغرض تقريبها أكثر إلى الصهيونية ومشروعها، ولاحقا يتم تهجير «الملائمين» منهم إلى فلسطين لغرض تهويدهم.
ثمة كتاب صدر لمؤلف يهودي «بيتر بينارت» بعنوان «أزمة الصهيونية» يشدد فيه على أن القضية الحقيقية لليهود اليوم لا تكمن في ضعفهم وكيفية مواجهته بل في مقتضيات القوة، رافضا في الوقت نفسه استغلال معاناة اليهود التاريخية كضحايا في الهيمنة على الفلسطينيين. ويضيف: «يطلبون منا تخليد قصة معاناة تتجنب القضية المركزية لليهود في عصرنا الحاضر، ألا وهي كيف لنا أن نستخدم القوة اليهودية بشكل أخلاقي؟». ويعلق صحافي يهودي آخر هو روجر كوهين على كتاب بينارت قائلا في عموده الأسبوعي في صحيفة «نيويورك تايمز»: «إن اليهود ظلوا على مدار عقود طويلة يمارسون تلك القوة على ملايين الفلسطينيين المحرومين من أي حقوق للمواطنة، والذين يعانون من كل أشكال الإذلال لشعب محتل». ويردف كوهين قائلا: إن الولايات المتحدة – الحليف الدائم لإسرائيل- هي موطن لجالية يهودية لم تنعم يوما بمثل هذا التوحد والنفوذ الذي تتمتع به الآن، في وقت ينصبّ فيه تركيز الدول العربية «المضطربة» على تغيير أوضاعها لا على إسرائيل». ويقتبس مؤلف الكتاب عبارة مدير الرابطة المناهضة للتشهير أبراهام فوكسمان، التي قال فيها «الحكومة الإسرائيلية تقرر واليهود الأمريكيون يدعمون». من السهولة بمكان – يقول كوهين- «إلقاء اللوم على الفلسطينيين، وهي حيلة كان من شأنها أن تكون لها مصداقية أكبر لو أن حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو أظهرت قدرا ولو قليلا من الاهتمام بإرساء السلام، لكنها لم ولن تفعل». يقول بينارت في كتابه «إن إسرائيل لا تعاني من مشكلة علاقات عامة بل من مشكلة سياسات، إذ لا يمكنك الترويج للاحتلال في حقبة ما بعد الاحتلال».
كانت الحركة الصهيونية منذ نشأتها في أواسط القرن الماضي قد حددت وبكل حسم بأنه ليس يهودياً من لا ينضوي تحت لوائها وضمن أطرها التنظيمية المختلفة. وقد شنت على من قاد ضدها من اليهود حملات في منتنهى القسوة والشراسة. نعم، إن كل من يحاول اختراق الواجهة الإعلامية للتحالف الصهيوني ـ الامبريالي، يستطيع أن يكتشف مفارقات مذهلة حتى بالنسبة ليهود أمريكا أنفسهم، أصحاب الصيت الذائع بأنهم أكثر تطرفا في سياستهم الإسرائيلية من الإسرائيليين أنفسهم. إن هذه المفارقات تشير وتؤكد إلى تفاقم الأزمة الصهيونية داخل اليهود أنفسهم، وحتى في أمريكا. وفي دراسة إحصائية ظهرت سنة 2012 في الكتاب السنوي لـ «يهود أمريكا» جاء أن أكثر من 50% من يهودها لا ينتمون إلى أي منظمات يهودية، وأن أكثر من 70% ممن هم دون الثلاثين من أعمارهم ليس لديهم أي توجهات أو علاقات تنظيمية يهودية.
حتى اللحظة تفتقد إسرائيل إلى وحدة التجانس بين اليهود: الأشكناز(الغربيون) والسفارديم (الشرقيون) والفالاشا (السود)! وهناك صراعات حقيقية وتناقضات مخفيّة بينهم. إسرائيل ورغم مرور سبعة عقود على إنشائها تفتقد إلى تعريف موحّد لـ «من هواليهودي»، كما أن الهجرة العكسية من إسرائيل في ازدياد مستمر مقارنةً مع معدلات الهجرة إليها. ثم يتوجب القول: إن كاتب هذه السطور لا يراهن على «العامل الديموغرافي» في انتزاع حقوق شعبنا من براثن العدو الصهيوني على المدى القريب المنظور! غير أن ذلك، لا يمنعنا من القول: إننا نشهد بداية أزمة حقيقية في الحركة الصهيونية مرشحة للتفاقم، ولا أمل في حلّها، تعبّر عن نفسها عن المتغيرات فيها السائرة باتجاه تصاعدي أولاً، وفي وليدها الإسرائيلي ثانياً.
كاتب فلسطيني

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قبطان في متاهة!

قبطان في متاهة!

تاريخ النشر : 2018/07/28 يُواصل السيد ...