المقالات

الحرب في اوكرانيا بعد عام حصاد و توقعات

قبل عام من الان، ومع انطلاقة هذه الحرب التي قد تتحول الى حرب عالمية ثالثة، كان المشهد العالمي مختلفا تمام الاختلاف عن المشهد الذي نراه اليوم، عام تغيرت فيه الكثير من الأمور ولم يعد عالم اليوم كما كان عالم الامس.
كان يفترض ان يكون عام ٢٠٢٢ عام الانتعاش الاقتصادي العالمي بعد الآثار المدمرة التي لحقت به في اعقاب جائحة كورونا، وجاءت الحرب في اوكرانيا، المستمرة منذ عام لتدخل العالم امام ازمات اقتصادية كبرى، مثل إرتفاع نسبة التضخم والبطالة وغلاء المعيشة وارتفاع الأسعار، اضافة الى تراجع نسبة النمو في الإقتصاد العالمي، وليس هذ فقط وانما الخشية من وقوع حرب عالمية ثالثة باتت تتزايد في كل يوم احتمالات حدوثها، وبدأت تطل برأسها، خاصة بعد الإصرار المتواصل من قبل الولايات المتحدة ودول الناتو والغرب بشكل عام، على مواصلة هذه الحرب وتقديم كل الدعم المالي الذي بلغ المليارات وتسليح دولة أوكرانيا بأحدث انواع الأسلحة من صواريخ و دبابات ودعمها بكل الامكانيات السياسة و الاعلامية، ظنا منهم ان هذا الدعم سيؤدي إلى هزيمة روسيا ، في رهان خاسر حيث تبين ان كل تصعيد من قبل الغرب يتم مواجهته بصمود وتحدى اكبر من روسيا وتصميم على الإنتصار الذي لا خيار سواه كما اكد ذلك القادة الروس وفي مقدمتهم الرئيس بوتين، لقد اكدت روسيا عبر تاريخها الطويل، ومن خلال الحروب التي خاضتها دفاعاً عن وجودها، انها عصية على الكسر والهزيمة، لم يعرف تاريخها ذلك، ومن المؤسف ان الغرب و قادته لم يدركوا هذه الحقيقة.
لا شك ان هذه الحرب شكلت في بدايتها وانطلاقتها السريعة صدمة كبرى لأوكرانيا وحلفائها، حيث وصلت القوات الروسية الى مشارف العاصمة وسيطرت على العديد من المدن ومساحات شاسعة، وبدا ان هذه الحرب ستنتهي خلال اسابيع. بعد ذلك حصلت مجموعة من التطورات في هذه الحرب لصالح أوكرانيا، والتي جاءت بفعل شراسة المواجهة والدعم الكبير من الغرب، والتقديرات الخاطئة للقيادة الروسية. واستطاعت القوات الاوكرانية ان توجه مجموعة من الضربات النوعية الموجعة للقوات الروسية اهمها:
١_اغراق الطراد موسكفا وهو اهم اسلحة البحرية الروسية.
٢_ ضرب جسر كيرتش في جزيرة القرم.
٣_ الإنسحاب من خاركوف وجوارها
٤_ الانسحاب من خيرسون .
لا شك ان تاثير هذه الضربات وشراسة اوكرانيا في القتال جعلت روسيا تعيد حساباتها العسكرية وخططها الاستراتيجية و تعالج الثغرات، واقدمت على تغييرات كبيرة في صفوف قيادتها. وبدأت الانتقال لسياسة اكثر حزما في المواجهة من خلال التعبئة الجزئية في صفوف الجيش ومن خلال توجيه ضربات قوية للبنية التحتية وخاصة في مجال الطاقة وطرق المواصلات.
وتشير كل المعطيات ان هذه المعركة لن تتوقف قريبا وسوف تطول، ربما حتى نهاية عهد بايدن او اكثر، ولا زال ذلك بعيدا خاصة بعد ان توقفت المفاوضات في ابريل من العام الماضي، واستحالة استئنافها في الوضع القائم حاليا. ولن يكون ممكنا ان يتم التوصل إلى تسوية حتى يستطيع احد الطرفين فرض شروطه على الآخر وهزيمته. والاحتمال الأكبر ان روسيا ستكون هذا الطرف لما تملكه من قوة هائلة وقدرة عظيمة على الصمود والتضحية وتجربة طويلة من حروبها السابقة مع الاعداء.
لقد كتبت سابقا عدة مقالات تناولت فيها هذه الحرب من جوانبها المختلفة تم نشرها في حينه، بالتالي لن أتعرض لها والكتابة عنها من جديد.
وفي هذه المقالة سأحاول التركيز على الحصاد والتوقعات، وماهي الاهداف التي حددها كل طرف وماذا حقق منها حتى الآن وما هي التوقعات للفترة القادمة والى اين تسير الأمور.
الحصاد السياسي والعسكري
استطاعت روسيا من خلال هذه العملية الخاصة تحقيق مجموعة من المكاسب العسكرية والسياسية رغم شراسة الجيش الاوكراني و تماسكه، نجملها فيما يلي:
_تخلصت من انضمام اوكرانيا الى حلف الناتو على الأقل لسنوات طويلة قادمة كونها لم تعد قادرة على تلبية شروط العضوية فيه.
_ابعدت الخطر العسكري عن حدودها كونهااستطاعت تحرير اغلبية أراضي مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك، اضافة الي تحرير مناطق عدة في خاركوف و خيرسون و زاباروجيا.
_استطاعت تدمير اكثر من 70- 75 % من الجيش الاوكراني و اسلحته.
_ استطاعت ان تقضي على اعداد كبيرة من القوات النازية كما حصل في مدينتي ماريوبل وسوليدار وبعض المناطق الأخرى .
_ قامت بتدمير جزء كبير من البنية التحتية لأوكرانيا.
اما على الصعيد العسكري كانت الحصيلة حسب بيان وزارة الدفاع الروسية مؤخرا:
_تدمير ٣٨٤ طائرة حربية
_تدمير واسقاط ٢٠٧ مروحيات.
_تدمير واسقاط ٣٠٨٨ طائرة بدون طيار.
_القضاء على ٤٠٣ منظومة صواريخ مضادة للطائرات.
_ تدمير ٧٨٢٦ دبابة و مدرعة.
_ تدمير ١٠١٥ راجمة صواريخ
_ تدمير ٤٠٦١ قطعة مدفعية و هاون.
_ تحطيم و تدمير ٨٣٢٦ مركبة وآلية عسكرية من انواع مختلفة.
هذا اضافة إلى مقتل عشرات الالاف من الجنود تصل إلى اكثر من ١٠٠٠٠٠ في بعض التقديرات و ايقاع اعداد كبيرة من الجرحى تفوق هذا العدد بكثير.
نعم لقد فقدت أوكرانيا وخسرت حتى الآن الجزء الأكبر من امكانياتها العسكرية والاقتصادية لكنها ما زالت تقاوم بفعل الإمكانيات الغير مسبوقة التى تدعمها بها الدول الغربية.
وهنا يبرز السؤال الى متى يستمر ذلك.
مقابل ذلك خسرت روسيا اعداد كبيرة من جنودها ومن معداتها لكنها تبقى جزء اقل بكثير مما خسرته اوكرانيا ولا مجال للمقارنة.
وهي دون شك اكثر قدرة على تعويض خسائرها البشرية و من السلاح.
ومع ذلك لا زالت امريكا و دول الغرب تعمل على إطالة امد هذه الحرب وعدم وضع حد لها.
ومن المعلوم انها كانت تحضر لها منذ عام ٢٠١٤ وقبل بدء العملية الروسية الخاصة بسنوات عدة وهذا ما اشار له
كل من المستشارة الألمانية السابقة انجيلا ميركل والرئيس الفرنسي السابق هولاند عندما اعلنوا قبل عظة ايام ان الموافقة على اتفاقيات منسك جاءت في اطار الاستعداد لخوض المعركة ضد روسيا وليس من اجل تحقيق السلام.
الغرب لم يكترث سوى لمصالحه فقط ويريد من اطالة الحرب استنزاف روسيا وتدمير اقتصادها من خلال العقوبات التى فرضت عليها بشكل لم يسبق له مثيل وصلت إلى اكثر من ١٥٠٠٠ عقوبة طالت كافة المجالات
كما اراد الغرب من خلال ذلك رفع كلفة الثمن الذي تدفعه روسيا و عدم السماح لها بالظهور كدولة عظمى تقف في مواجهة الغرب و مشاريعه.
كما ارادوا افقاد الجيش الروسي سمعته و هيبته واظهار ضعفه امام اوكرانيا.
والى جانب ذلك ارادوا اثارة الفوضى داخل روسيا من اجل اضعاف شعبية الرئيس بوتين.لكنهم فشلوا في ذلك
رغم ان الحرب الدائرة اليوم تؤكد كل معطياتها انها تدور بين روسيا وحلفائها من جانب وبين دول الغرب مجتمعة (اكثر من ٥٠ دولة)
لكنه رغم ذلك روسيا سوف تصمد وتحقق اهدافها وسيكون المتضرر الأكبر من هذه الحرب أوكرانيا أولا ودول أوروبا ثانيا اما المستفيد الاول منها ستكون الولايات المتحدة. الأمريكية.والمؤشرات الدالة على ذلك كثيرة.
نعم لقد حققت روسيا جزءا كبيراً من اهدافها حتى الآن وتسير قدما من أجل تحقيق ما بقي منها.وهي بالتأكيد ستكون المنتصرة كما اثبتت ذلك وقائع التاريخ وكما تدلل المعطيات على الأرض.
_ اما من حيث السيناريوهات والتوقعات.
_ السيناريو الأول
وقف الحرب والذهاب إلى التفاوض وهذا السيناريو ليس واقعيا الآن وفي ظل الظروف والمعطيات القائمة كون مل طرف يتوقع فوزه و هزيمة خصمه في هذه الحرب.
_السيناريو الثاني
استمرار الصراع بوسيلة منخفضة على قاعدة ان كل واحد منهم يريد إنهاك الآخر وفرض الشروط عليه وهذا الاحتمال تم تجريبه طوال العام الماضي ولم ينجح.
_السيناريو الثالث:
ان يتم تصعيد كبير في الحرب و اللجؤ الى استخدام اسلحة اكثر فتكا ومعارك اكثر شراسة وتدمير اكبر قد تصل إلى استخدام سياسة الأرض المحروقة من قبل روسيا واستخدام اسلحة غير تقليدية. ( ومنها النووي)هذا الاحتمال الذي تجنبته روسيا طوال الفترة الماضية وقد تلجأ اليه مضطرة إذا شعرت حاجتها لذلك.خاصة اذا وصلت انها امام معركة مصير و وجود وهنا من المفيد التذكير بما قاله بوتين في الأشهر الأولى ان العالم بدون روسيا لا قيمة له مما يؤشر إلى إمكانية استخدام السلاح النووي وهذا السيناريو بعيدا ولكنه غير مستبعد وهو الأكثر ترجيحا و ممكن حصوله.
علينا ان ننتظر ماذا سيقول بوتين في خطابه وماهي المفاجآت التي قد يحملها،كون بوتين هو من يملك القرار ،وهو من يستطيع الضغط على الأزرار ولا يعلم احد ماذا يدور في رأسه سواه.
لقد تغير العالم كثيرا خلال هذا العام من الحرب و هو يتغير في كل يوم،وهناك نوعين من المتغيرات طويلة و قصيرة الاجل .
وهنا لا بد من الاشارة الى اهمها :
_ الطويلة الاجل.
١_انتهاء عالم وهيمنة القطب الواحد
لم تعد الولايات المتحدة هي من يتحكم وحيدا في هذا العالم وباتت تتراجع مقابل صعود الصين و روسيا و دول اخرى وهذا نا يجعلنا امام عالم جديد ..عالم متعدد الاقطاب
٢_ سنكون امام لحظة تاريخية ليست اقل من يالطا حيث تم تقسيم العالم اثر الحرب العالمية الثانية. وهذا يجعلنا امام اعادة رسم خرائط العالم من جديد.
٣_ ظهور وتفاقم الخلافات بين الدول الأوروبية و الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية وما بين الدول الأوربية ذاتها قد تصل إلى حالة ابتعاد عن امريكا من ناحية وحدوث تصدع داخلها كل منها من ناحية ثانية مما يعكس نفسه عل الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو.وعلى الولايات المتحدة نفسها.
٤_ ان تقوم روسيا بالسيطرة على مدينة أوديسا و خاركوف وعدم الاكتفاء ب المقاطعات الاربعة التى اعلنت ضمها لروسيا وقد لا تتوقف عند ذلك.وهذا ما سيجيب عليه المستقبل وتطور الأحداث على المدى الأطول. ونكون امام تقسيم واقعي لأوكرانيا. اذا بقيت على الخارطة العالمية. كون جيرانها كل ينتظر و يريد قطعة منها كما هو الحال مع بولندا و المجر.
٥_انتهاء المؤسسات الدولية القائمة التي نعرفها اليوم مثل الأمم المتحدة و تفرعاتها وصندوق النقد الدولي و منظمة التجارة العالمية…الخ.
٦_ تقوية و تدعيم التحالف بين روسيا والصين وايران مع عدد من الدول الأخرى

_القصيرة الأجل
وهي كثيرة ومتعددة منها:
١_ تفاقم ازمة الطاقة مما يؤدي الى زيادة كبيرة جدا فى الأسعار قد تتضاعف وانعكاسات ذلك على الاقتصاد العالمي.
٢_ضرب الأمن الغذائي على الصعيد العالمي وهذا ما رأيناه في ازمة القمح والحبوب والأسمدة.
٣_ تشديد سياسة العقوبات الوحشية الغير مسبوقة وانعكاساتها على الدول الاوروبية كما ظهر جليا في موضوع النفط والغاز .روسيا لن تكون المتضرر الوحيد من هذه السياسة وربما تعود الاضرار على اوروبا بشكل اكبر وهذا ما يحصل اليوم.
٤_ارتفاع كبير في نسبة التضخم وزيادة كبيرة جدا في الأسعار ،نع كل ما يحمله ذلك من عدم استقرار وبروز حالات التوتر.
٥_ تباطؤ النمو الاقتصادي والدخول في حالة ركود قد تصل إلى حالة كساد كما حصل في الثلاثينات من القرن الماضي.
٦_سقوط سياسة الحياد الإيجابي كما حصل مع السويد وفنلندا.
٧_بداية التمرد من قبل عدد من الدول في العالم على القرار الأمريكي وعدم الانصياع له كما حصل مع السعودية والإمارات في عدم الاستجابة لطلبات امريكا وقراراتها في سابقة لم تحصل سابقا ومن الطبيعي ان تتوسع هذه الدائرة لاحقا.
٨_بروز بعض الخلافات و التمايز في الموقف بين دول أوروبا والولايات المتحدة كونها الاكثر تضررا مما يجري و تريد الحفاظ على مصالحها وقد يزداد هذا الخلاف في المستقبل.
٩_ إنهاء هيمنة الدولار على السوق والاقتصاد العالمي وقد بدأ ذلك من خلال تنويع العملة والتبادل التجاري بين عدد كبير من الدول بالعملة المحلية. كما هو الحال بين روسيا والصين والهند وايران وغيرهم.
١٠_ زيادة الإنفاق العسكري من قبل بعض الدول وتغير عقيدتها العسكرية مثل اليابان و المانيا.
١١_ تدعيم و تقوية التحالف بين روسيا والصين وايران مع عد د من الدول الأخرى في العالم المناهضة لسياسة الولايات المتحدة
في الختام
اقول ان روسيا لن تنهزم في هذه الحرب حتى لو اضطرت للتراجع في بعض الأحيان لكنها تسير بخطى ثابتة وثقة مطلقة بحتمية الإنتصار.
وهذا ما يظهر جليا في تصريحات القادة الروس انفسهم وفي مقدمتهم الرئيس بوتين الذي اكد اكثر من مرة ان روسيا لن تهزم وسوف تنتصر ,مؤكدا أنه ( لا بديل عن النصر في اوكرانيا).
وليس هذا فقط وانما يتضح ذلك من خلال تصريحات عدد كبير من المسؤولين الأمريكيين والأوروبيين وفي مقدمتهم كيسنجر ورئيس الأركان الأمريكي اللذين اكدوا على التفاوض مع روسيا و عدم استفزاز ها
او كما جاء في تصريحات ميركل ( ان روسيا لا يمكن هزيمتها وعلى الغرب ان يفكر بالخروج من الحرب). وتصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون التى تصب في نفس الاتجاه
في النهاية
نتمنى للعالم كل الخير ونأمل أن نعيش في عالم منهيسوده السلام والمساواة والعدالة بعيدا عن الهيمنة والظلم و الوحشية .

طارق ابو بسام
براغ، 21/ 2 / 2023

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى